آخر صعاليك بغداد.. ملاذ في الميدان ثم الى مستشفى الرشاد.. أنا تكملة الأصدقاء.. حارس شوارعنا من الفراغ

177 عدد القراءات

هاف بوست عراقي ـ  كتب هادي الحسيني: آخر صعاليك بغداد الذين تمردوا على الواقع المرير أيام حرب السنوات الثمانية وما بعدها واتخذ من ساحة الميدان وأرصفتها ملاذاً، وكان يرافقه الكتاب حين يدخل مقهى حسن عجمي ومن ثم يحاول بيعه ويخرج مسرعاً الى حانة بائسة مقرفة ليلتقي بأصدقائه من الصعاليك الذين يرزحون تحت ظروف قاسية، وبتخطيط خبيث من قبل أجهزة أمن النظام لا يخلو من التآمر على بعض المبدعين وأصحاب العقول النيرة التي كانت تعبّر عن سخطها جراء سياسات نظام القمع آنذاك، انه الشاعر الثمانيني (صباح العزاوي) المولود في مدينة بعقوبة عام 1959 والذي تعرض للإصابة بساقه اليمنى في بداية الحرب العراقية الأيرانية وعلى أثر تلك الإصابة أصبح معوقاً دون عناية! ولأنه شاعر حالم بالحرية والعدالة والبناء والازدهار كان يرى الخراب الذي حلّ بالبلاد فأصبح صوته عالياً وهو يشتم النظام ورموزه باستمرار!

وقد تم تحويله الى مستشفى الامراض العقلية في الرشاد بصفته مجنوناً وكان عليه أن يبقى هناك حتى موته لكن سقوط النظام عام 2003 أخرجه من المشفى ليعود لحياة الصعلكة مرة أخرى.

الشاعر الذي استبشر بسقوط النظام ومجيء الديمقراطية التي أهملته هي الأخرى وتركته للشوارع وأرصفتها الخاوية حتى مات عام 2009 بظروف غامضة ومجهولة بعد أن أشبعته سنوات الثمانينات والتسعينيات مرارات سجون الأمن العامة والتشرد على أرصفة ساحة الميدان وأزقة الحيدر خانة الضيقة والمتهرئة من عفونتها بسبب الإهمال المتعمد وفي المقاهي العتيقة والحانات الوسخة المطلة على موقف حافلات ساحة الميدان التي كانت بمثابة الهوية الثقافية الضائعة لبغداد ، وتنام على أرصفة تلك الساحة المدمرة بسبب إهمال السلطة التي لم تصلح حالها فتحولت الى أكوام من الأزبال ينام على صفائحها الصعاليك من أمثال صباح العزاوي وهادي السيد حرز الذي شكل ثنائيا مع صباح فكانت سجونهم دائما ما تصادف سوية في الأمن العامة وكان القمل رفيقاً حميما لصباح العزاوي الذي لا يحب مفارقته حتى في ساحة الميدان التي كتب عنها يقول:

(في جنوب الميدان و بسجارتين فقط بعت كتاب الحرب وسرت مع الموتى!).

كان الشاعر صباح العزاوي قارئاً يجيد هضم واستيعاب الكتب الصعبة على العقول وعندما يكتب القصيدة تصبح مُلكاً لأصدقائه الذين عادة ما ينشرون بعض قصائده التي يهملها او يتركها عند صديق.

وفي واحد من نصوص الشاعر الراحل صباح العزاوي يتوج نفسه بالمجد بعد ان أصبح يكمّل الأصدقاء في شوارع الفراغ كما يسمي شوارع وأرصفة ساحة الميدان، تلك الأمكنة استطاع الشاعر ان يخلدها من خلال بعض النصوص التي كتبها عن الساحة وعن مشرديها، هو ينشر الطمأنينة في وجوه النساء المعذبات ويعبّر عن ذاته بانه موئل الذي يشبه الملجأ لموتنا ولأسرار قادمة وجديدة وهو العاشق والأبن المشرد والمشتت بفكرة اسمها بغداد! يا لبغداد العظيمة، المدينة التي يعشقها بعنف أؤلئك الصعاليك، الأبناء البررة لتلك المدينة الأم التي ثكلت بأبنائها وهم يموتون واحداً بعد الآخر على أرصفة شوارعها الفارغة التي كانت مكتظة برجال الأمن الحقراء الذين أرتكبوا الجرائم بموت صعاليك وفرسان بغداد الخاوية جراء القمع والحروب والحصار والدمار الذي لحق بها على مدى عقود من الزمن . الشاعر صباح العزاوي يمتلك لغة شعرية سهلة لكنها ذات تركيبات لغوية لا يتقنها إلا الشاعر الماهر والمتمكن من لغته التي تتقافز ما بين حروفها صوره الشعرية التي تتعالى كلما يزداد ويضغط الألم على الشاعر الذي يعيش حياة الخراب والموت البطيء كما مات من قبله بسنوات قليلة شعراء مثل عقيل علي وعبد اللطيف الراشد وهادي السيد حرز وآخرين.

وان الظروف القاهرة في الفقر والخوف والتشرد وحماقات سلطة القمع هي التي جعلت من صباح العزاوي الشاب الوديع ان يصل الى هذا الموت المؤلم، لكنه يبقى كشاعر ارتبط اسمه وتاريخه الثقافي والشعري بمدينة تعتبر من اعظم مدن العالم كانت ومازالت هي بغداد، صباح لديه اكثر من سبع مخطوطات شعرية لم تر النور في الطبع ، فالشاعر يخلّد بنصوصه ومنجزه وسيرته، لكن القتلة والمأجورين واجهزة القمع لم نعد نتذكر اسماؤهم.

يقول الشاعر الراحل صباح العزاوي وهو يتباهل بمجده المتعالي في الشعر، حالما بهذا الصفاء وهذه الانسانية الرائعة وهو ينذرها للعيون والرؤوس المقطعة والنساء التي يحرس فيها شوارع الفراغ:
تحت نخلة هنا لغائبات، لعيون
لرأس مقطوع، لقتلى بلا صياح
لمدينة من الكتب، لأمة من الجنون
أكتب كلمتي الأخيرة، المجد لي
أنا تكملة الأصدقاء
أنا حارس شوارعنا من الفراغ
المجد لي
أنا ناشر الطمأنينة في وجوه النساء المعذبات
أنا موئل موتنا اليومي لأسرار جديدة
أنا الأبن المشتت بفكرة بغداد…

 

مصادر: وكالات – تواصل اجتماعي – نشر محرري الموقع رصد المحرر-  ز.ا.و: 

وكالة تنشر النصوص بلا قيود..  المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مصدرها

اكتب لنا: iraqhuffpost@gmail.com

0 0 vote
Article Rating
Posted in ثقافة وأدب.
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments