الإمام زيد بن علي.. مذهب فقهي يتبنى استمرارية الثورة.. وفرّق بين المعيار السياسيّ و الديني

الإمام زيد بن علي.. مذهب فقهي يتبنى استمرارية الثورة.. وفرّق بين المعيار السياسيّ و الديني

هاف بوست عراقي ـ وُلد زيد بن عليّ سنة 80هـ/700م ونشأ في بيت إمامة في العلم واستقامة في الدين؛ فأبوه هو عليّ -المعروف بزين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

ولم يكمل زيدٌ سنته الرابعة عشرة حتى فُجع بوفاة والده زين العابدين الذي اشتُهر بكونه من أوعية العلم وأئمة الزهد والتعبد، حتى قال عنه الإمام الذهبي في ‘سير أعلام النبلاء‘- إنه كان “ثقة مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا ورِعا”.

أخذ زيدٌ العِلمَ عن جماعة يأتي في صدارتها أبيه زين العابدين، وأخيه [الأكبر محمد] الباقر، وعُروة بن الزبير الذي كان أحد فقهاء المدينة النبوية السبعة الكبار.

وتوفي -وهو في الثانية والأربعين من عمره- قبل عصر التدوين ووضع التآليف، لكن ينسب إليه “كتاب المجموع” الذي تضمن كثيرا من آرائه العلمية.

سياق التشكل

لكي نفهم دوافع ثورة زيدٍ على الدولةِ الأمويّة؛ ينبغي أن ندرك بداية أنّه وُلد في المدينة المنوّرة التي أجبر الأمويون أهلها ورموزها -من الصحابة وأبنائهم وكبار التابعين- بادئ أمرهم على البيعة ليزيد بن معاوية، إذْ “جعله أبوه وليّ عهده وأكره الناس على ذلك”.

وكان من تفاصيل ذلك أن معاوية كتب إلى واليه على المدينة مروان بن الحكم أن يأخذ البيعة لابنه الشاب يزيد، فجمع مروان قادة أهل المدينة وخطب فيهم قائلا: “إن أمير المؤمنين رأى أن يستحلف ولده يزيد عليكم، سنّةَ أبي بكر وعمر”! فقام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (ت 53هـ/674م) فقال: “بل سنّة كسرى وقيصر، إن أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما، ولا في أحد من أهل بيتهما”!!

ثمّ ذهب معاوية بنفسه إلى المدينة فأخذ البيعة لابنه يزيد بغير رضا من الناس، فاحتجّ عليه ابن أبي بكر قائلا فيما يرويه السيوطي: “إنك والله لوددت أنا وَكَلْناكَ (= تركناك) في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل، والله لتردنّ هذا الأمر شورى في المسلمين أو لنفرقنَّها عليك جذعة”!!

فقد كانت الشورى إذن قيمة مركزية حاضرة بقوة في العقل الجمعي للصحابة والتابعين، ولذا غضبوا جميعا من صنيع معاوية ورأوا فيه سابقة مؤسِّسة لما ترسَّخ بعد ذلك من ضياع لقيمة الشورى وإهدار لسيادة الأمة، حتى إن الإمام التابعي الحسن البصري (ت 110هـ/729م) علق لاحقا على توريث معاوية الحكم لابنه فقال: “فمن أجل ذلك بايع هؤلاء [الأمراء] لأبنائهم، ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة”!!

وكان من نتائج خطوة معاوية تلك أن ولاية يزيد نفّرت عنه قلوب الصالحين، فخرج عليه الحسين بن علي في العراق سنة 60هـ/681م، وأطلق أهل المدينة أنفسهم ثورة الحَرَّة سنة 63هـ/684م، وتبعها إعلان عبد الله بن الزبير توليه الخلافة في مكة المكرمة، ثم تلت ذلك ثورة عارمة أطلقها المئات من علماء العراق بزعامة القائد العسكري عبد الرحمن بن الأشعث الكِنْدي.

وورث الجيل الجديد مثل جيل الإمام زيد نقمة جيل الآباء من الصحابة والتابعين الكبار على بني أمية، واستبشاع أفعالهم واحتكارهم منصب الخلافة، خاصة أن أهم مطالب الثائرين كانت تتلخص في: الرجوع إلى الشورى في تولية الخلفاء، وإشراك الناس في اختيار ولاة الأقاليم.

ان تسكين نار الفتن وتطييب قلوب العامة كانا من المصالح المعتبرة في الفقه السياسي عند الإمام زيد؛ إذ لا يجوز تجاهل رأي العامة ورضا الناس، وهو هنا يتفق مع سياسةِ جدّه عليّ ابن أبي طالب الذي رفض أن يتولى الخلافة دون بيعة علنية من الناس، تتجسد فيها الشورى بحرية وشفافية.

وقدم زيد حلا عمليا لأزمة النزاع التاريخي حول الإمامة بين تيار العلويين (الشيعة لاحقا) وغيرهم من مُعظِّمي شأن الصحابة جميعا (أهل السُّنة لاحقا) لتجاوز الاستقطاب الذي كان يقسم الناس ساعتها، وبذلك أيضا ضمن زيد دعم الجميع لثورته، وإن كانت نتيجة محاولته تلك يبدو أنها انعكست في بدء تبلور ظهور من سمّاهم هو “الرافضة”، كما سبق القول.

وأهم تلك التيارات -التي أراد زيد توحيدها تحت راية ثورته بمقولته التوافقية تلك- ثلاثةٌ: أولها تيار رافض لولاية أبي بكر وعمر ويرى أنّ الإمامة مستحقة لعليٍّ وأبنائه دون غيرهم بنصّ ووصيّة من النبي ﷺ؛ وثانيها تيار يرى أحقية أبي بكر بل صرح بعضهم بوجود النصّ عليه أيضا؛ وثالثها فريق آخر يرى الاختيار والشورى سواء كانت نتيجتها مع أبي بكر أو عليٍّ. وقد كان زيد بن عليّ -من الناحية العملية- أقرب إلى الفريق القائل بالشورى طريقا للخلافة، وإن اختلف معهم في تفضيل عليٍّ على غيره.

وحاول زيدٌ بفكرته تلك أن يوحّد الجماعات المختلفة حول قضية تاريخية لا ينبغي لها أن تشغلهم عن التصدي لتحديات واقعهم المحزن؛ ففرّق ببراعة بين “المعيار السياسيّ” في مسألة الإمامة/الخلافة الذي يستند إلى اختيار الناس وانتخابهم حتى ولو جاؤوا بالمفضول على حساب الفاضل، و”المعيار الديني” الذي هو مسألة أفضلية شخصية التي لا علاقة للناس بالفصل فيها، بل ولا قدرة لهم عليه لأن أمره موكول إلى الله تعالى المطلع وحده على ما في القلوب.

ان منهج زيد في شأن الحكم والدولة كشأن جدّه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي كان يؤمن بلزوم البيعةِ العامّة من المؤمنين للحاكم؛ ولذا رفض أن يتولى الخلافة دون بيعتهم العلنية الطوعية، ولم يزعم لنفسه عصمة أو وصيّة نبوية.

جدل محتدم

 جرت بين زيدٍ -وهو شاب في مطلع الثلاثينيات من عمره تقريبا- وأخيه محمد الباقر نقاشاتٌ كثيرة بسبب انعزال أهل البيت عن السياسة والثورة، وتنكُّبهم خوض غمار الشأن العام ومتطلباته، بما في ذلك الثورة ذات الشوكة متى توفرت شروطها وتهيأت ظروفها.

ونفهم من تلك النقاشات أن الباقر لم يقتنع بموقف أخيه زيد الميّال إلى الثورة، خاصة أنه لم يجد لها من الحواضن الشعبية سوى أنصار “أهل البيت” من أهل الكوفة بالعراق، ولهم سوابق متعددة في استدراج رجالات “أهل البيت” إلى المواجهة المسلحة مع الحكام الأمويين، ثم التخلي عنهم في مراحل فاصلة من مسار الثورة!

حشد زاحف

على هذه الأرضية الصلبة سياسيا وأخلاقيا؛ باشر زيد حشْد المبايعين لمشروعه الثوري “حتى أحصى ديوانُه (= سجلّ المقاتلين) خمسة عشر ألف رجل، فأقام بالكوفة بضعة عشر شهرا.. كان منها بالبصرة نحو شهرين”.

وانطلقت معارك الثورة فكانت جولاتها الأولى في صالح زيد ومعسكره بحيث “جعلت خيلُهم لا تثْبتُ لخيله” لقوة مقاتليه وجراءتهم؛ حسب ابن الأثير. لكن تخلِّي معظم الكوفيين عنه -جرّاء موقفه المصحِّح لخلافة أبي بكر وعمر الفاروق- جعله يخسر نتيجة الحرب، خاصة أنه لم يلتزم له بعهد البيعة من جنوده سوى “مئتيْ رجل وثمانية عشر رجلا” هم الذي قاتلوا معه حتى النهاية.

واصل زيد القتال بمن معه حتى استشهد بسهم أصابه وصلب والي العراق يوسف بن عمر الثقفي (ت 127هـ/746م) جسدَه لاحقا على أطراف الكوفة “ثم أنزِل بعد أربع سنين من صَلْبه.

وإثر استشهاد زيد؛ سار ولده يحيى على نهج أبيه مواصلا ثورته على الأمويين لكن من على أرض أخرى ووسط حاضنة شعبية جديدة؛ فقد تمكن أنصار أبيه من إخفائه عن عيون السلطة الأموية المتربصة به في كل مكان.

وفي منطقة خراسان استأنف يحيى بن زيد ثورة والده؛ فتمكن -بعد فترة تهدئة مع الأمويين- من إعادة رصّ صفوف أنصار والده، فجذب الناس إلى البيعة “واجتمعت عليه جماعة كثيرة”.

وعندها أعلن يحيى الثورة في سنة 125هـ/744م مستغلا -على الراجح- الاضطرابات المصاحبة لتبدُّل نظام الحكم الأموي مع وفاة الخليفة هشام بن عبد الملك، وتنصيب خليفة جديد مكانه هو ابن أخيه الوليد بن يزيد (ت 126هـ/745م) الذي أثار عليه نقمة الأمة “لِمَا انتهك من حرمات الله واستهتر بالدين”.

ورغم هزيمة يحيى عسكريا؛ فإننا نجد في موقف العامة بعد مقتل يحيى دلالات عميقة بشأن الدعم الشعبي الكبير لهذه الثورة حتى بعد فشلها.

وعزّز استشهادُ زيد وابنه يحيى لدى الكثيرين وجاهةَ مقولة أخيه الباقر وابن أخيه جعفر الصادق الذي حذّره من إطلاق ثورته، كما نصح ابنَه يحيى لاحقا بالتخلي عن مواصلة الثورة.

ورغم إخفاق الثورة الزيدية وما تلاه من إحباط لدى معظم أنصارها؛ فإن المسار الثوري لم يفقد بريقه لدى جزء كبير من أنصاره، بل باتت الثورة على الحكام الجائرين مبدأ أصيلاً عند كثير من معاصري زيد وخاصة بعض رجالات “أهل البيت”.

تابع صفحتنا في فيسبوك

مصادر: وكالات – تواصل اجتماعي – رصد وتحرير و نشر محرري الموقع 

وكالة تنشر النصوص بلا قيود..  المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مصدرها

اكتب لنا: iraqhuffpost@gmail.com

 

125 متابع ...
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments