الاستثمار الناجح

هاف بوست عراقي ـ كتب محمد زكي ابراهيـم: حينما أقرأ ما يكتب عن الديمقراطيات الغربية، وكيف أنها تمسك بزمام السلطة، دون أن تخشى أن ينقض عليها منقض، أو يعكر صفوها معكر، فتؤدي مهمتها على أكمل وجه، وتنهض بواجبها على أتم صورة، أشعر أن هناك شيئاً لم تتكشف لنا ملامحه في هذه الديمقراطية بعد.

وأننا ربما خدعنا في ما وصل إلينا من معلومات حول هذا الشكل العريق من أشكال الحكم.

لقد قمنا باستيراد التجربة من منابعها الأصلية في بريطانيا وأميركا وأوربا الغربية. ولم نترك فقرة من الفقرات، ولا بنداً من البنود، دون أن نأخذه منها. وزدنا على ذلك بما استجد في الأعوام الأخيرة من مفاهيم غاية في الحداثة، مثل التعددية، والنسبية، وازدواج الجنسية، والفيدرالية، وغير ذلك كثير. لكننا لم ننعم بمثل ما نعم به أولئك من استقرار وانسجام وتماسك. ولم نحصل على ما حصلوا عليه من قوة ورخاء وتقدم. فلماذا لم يتحقق لنا ما تحقق لهم، ولماذا لم نجن ما جنوه هم ؟

إنني مع إيماني بأن استيراد تجارب الغير، حتى لو كانت ناجحة، أمر غير حكيم، وفيه نقاط ضعف كثيرة. إلا أنني أؤمن كذلك أن دراسة النموذج الغربي بعناية هي مقدمة ضرورية للاستفادة منه. فليس من المعقول أن نأخذ بجانب، ونهمل الجوانب الأخرى، التي لا تقل عنه أهمية.

والواقع أن الأنظمة الغربية مرت بمراحل كثيرة قبل أن تتمكن من الوقوف على أرض صلبة، مثل الاستعمار والهيمنة والحروب الطويلة. هذه التجارب هي التي صنعت منها نموذجاً قادراً على الوقوف بوجه الأعاصير. ومع ذلك فإن من الصعب تجاهل حوادث مؤلمة مرت بها، مثل الصراع المذهبي، والفاشية، والنازية. والغربيون يسعون جاهدين لمحو هذه الصفحات من تاريخهم، بعد أن اكتشفوا كم كانت مؤذية وقاسية.

ثمة جانب آخر مهم وخطير، تمكنت الديمقراطيات الغربية من البقاء بسببه. ولولاه لما كانت حالها بالشكل الذي نراه اليوم. هذا الجانب هو المخابرات، أو العمل المحاط بأعلى درجات السرية. وهدفه الأساس ليس ملاحقة المعارضين، كما كانت أجهزتنا تفعل من قبل، بل البحث عن أصدقاء وداعمين، في الدول الأخرى. وضمان نجاحهم في تسلق السلطة.

مثل هذا الهدف استخدم مراراً وتكراراً في أكثر من دولة كبرى. بل إنه تكرر في كل انتخابات أميركية وفرنسية على الأقل. وأبطاله قوى مهمة أخرى مثل روسيا وجاليات عربية ويهودية وآسيوية. وقد حاولت بعض البلاد العربية دعم مرشحي الرئاسة في فرنسا، على أمل وقوفهم إلى جانبها عند الأزمات. إلا أن الفرنسيين خيبوا أملها في نهاية المطاف!

يعتقد الإسرائيليون – الذين يملكون أوسع شبكة مخابرات في العالم – أن المبعوثين العرب في الدول الأوربية “غير نافعين حتى لبلدانهم. ولديهم ميل كبير للاستمتاع بالوجاهة، والتصرف بنوع من الاستهتار”، ولا يمكن التعويل عليهم في أمر من الأمور، أو مهمة من المهمات!

وعلى ذكر المخابرات الإسرائيلية (الموساد) التي قامت بدور خطير في تثبيت أركان الدولة العبرية، وكسب الأصدقاء في دول العالم. فإن مصادر مقربة منها تعتقد أن عملية إعداد وتأهيل عميل مخابرات من الدرجة الأولى تكلف خمسة ملايين دولار على أقل تقدير.

إن مثل هذا النشاط الذي لا يتوقف في كل مكان من المعمورة، هو الذي يحدد درجة نمو الديمقراطيات في العالم. وبقدر ما يكون هذا النشاط ناجحاً ومؤثراً، بقدر ما تكون الديمقراطية متماسكة ومستقرة.

يبدو أننا كعرب نحتاج إلى دروس جديدة في كيفية وقاية أنظمتنا الفتية من العبث والاستغلال والمؤامرات الخارجية.

ولا ريب أن مثل هذا الفعل يحتاج إلى جهود ضخمة، وأموال كثيرة يصعب توفيرها. لكن الواقع أنه استثمار ناجح، يمكنه تجنيب البلاد الكثير من النفقات الزائدة، مثل الحروب الداخلية، والصراعات الدولية، والمزايدات الإقليمية، وغير ذلك كثير!

 

مصادر: وكالات – تواصل اجتماعي – رصد وتحرير و نشر محرري الموقع 

وكالة تنشر النصوص بلا قيود..  المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مصدرها

اكتب لنا: iraqhuffpost@gmail.com

115 متابع ...
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments