التنافر المعرفي في سلوكيات السياسيين العراقيين..

هاف بوست عراقي ـ كتب ابراهيم العبادي.. يشهد العراق استعراضا سياسيا يوميا لامثيل له، اذ يتبارى سياسيون في طرح مشاريع (اصلاحية) ويتنافس اخرون في الشعارات والتصريحات الداعية الى اصلاح المجتمع والدولة ،فيما ينهمك صنف اخر في الترويج لمشاريع (بناء الدولة والدفاع عن سيادتها واستقلالها) عبر فعاليات عسكرية وأمنية ودعائية ويستعمل هولاء، زعامات واحزاب وجماعات وافراد، وسائل الاعلام والاتصال والعلاقات العامة للترويج لبضائعهم السياسية.

يجري هذا النشاط المحموم في مجال سياسي مأزوم، فالبلاد تعيش صراعات وانقسامات حادة، وتتضارب المصالح بين الجماعات الحزبية والسياسية بما يمنع قيام جبهات سياسية أو تحالفات بين الاوساط المتقاربة أو المتماثلة فكريا أو طائفيا أو عرقيا ، تساعد في أحتواء التناقضات واستيعاب التوترات والأزمات الكثيرة ،المثير للدهشة ان صراعات قوى الاسلام السياسي الشخصية والحزبية تشغل الساحة السياسية أكثر من غيرها ،وتتباعد المسافات بينها الى مستويات يخشى على البلاد من خروج الخلافات بينها عن السيطرة، وربما انفلتت الامور بسبب العصابات وانتشار السلاح بما يهدد الامن ويزيد من الفوضى التي يرتع فيها العراق.

لاغرابة في الامر ،فصراعات (الاسلاميين) تكون عادة من اخطر الصراعات ،فسلاحها الانفعال (الديني والسياسي )وادواتها التفسيق والتبديع والتكفير، وشعاراتها جدلية لاتقبل النقض (اما،أو ) فهي تقوم على ثنائية ،الايمان أو الكفر ،الاصلاح أو الافساد ،الحق أو الباطل ،وقد يتطرف البعض في تبسيط القضايا الخلافية فيتبرع في الاغتيال الرمزي والتصنيف القاتل ،وحسب مقتضيات الحال ،فيصبح الفهم المتشدد عنوانا للحق، والفهم المعتدل مظنة للاتهام، وينساق أخرون في تطرفهم فلايجد في الأخر الذي لايتطابق معه في الرأي والفهم والتفسير، سوى مشروع مؤامرة وأنحراف عن المسيرة وتساقط وتراجع عن المباديء .

نعيش في العراق هذه النماذج من الصراعات، كما في اغلب دول المنطقة ،لكنها في بلادنا تأخذ طابعا شرسا، لانها تقترن بمشاريع كبرى، لها صلة بمصير صراعات أكبر، ومادامت السلطة والقوة هي الهم الرئيس للمتصارعين، لذلك تغدو شوارع العراق ومنصاته الاعلامية، ساحة حرب يومية تجري بأدوات ناعمة واحيانا خشنة وقاتلة.

مايثير في هذه النزاعات المستمرة هو التناقض بين الاعتقادات وبين السلوكيات، أو ماسماه عالم النفس الامريكي ليون فستنغر (1919-1989)التنافر المعرفي ،وتفترض هذه النظرية الشهيرة ان الناس لايحبذون التصرف خلافا لاعتقاداتهم ومتبنياتهم الفكرية ،لكنهم عندما يسلكون طرائق تتعارض مع مايحملونه من أعتقادات تنتابهم حالة من الضيق ،فيلجأون الى التبرير والتخفيف من حالة التناقض هذه وربما انكارها ،أو تأويلها والتغطية عليها.

تزدحم حياة العراقيين بمثل هذه التنافرات المعرفية، بل ان سلوكهم الاجتماعي والسياسي صار مطبوعا بها، كما رآها عالم الاجتماع الراحل الدكتور علي الوردي وماكتبه من بعده أختصاصيون عراقيون عديدون في علوم النفس والاجتماع والسياسة، فنحن نشهد تعديات يومية على الدولة وسلطاتها والمجتمع وحقوقه، والسيادة والامن، بأسم الحرص على الدولة وحقوق الناس والاستقلال والكرامة!!؟، والانطباع السائد هو ان من يقومون بهذه الافعال يصنفون انفسهم بأنهم دعاة عدالة ودولة قوية وحرص على الجمهور، فيما الوقائع تتحدث عن سلوكيات تبعدنا يوميا عن الاستقرار والسلام والنماء والازدهار بسبب أنانيات السلطة وطموحات الزعامة والاستبداد. وبسبب هذا اللون من السلوكيات تصبح مشاريع معالجة الازمات والمشكلات، أزمة بذاتها، فالاصلاح يتحول الى ازمة كبيرة، والانتخابات لاتعود حلا لأزمة سياسية ،وتنقيح الدستور يمسي تهديدا للتوافق، وهكذا.

مصادر: وكالات – تواصل اجتماعي – رصد وتحرير و نشر محرري الموقع 

وكالة تنشر النصوص بلا قيود..  المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مصدرها

اكتب لنا: iraqhuffpost@gmail.com

51 متابع ...
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments