الرجل المريض

هاف بوست عراقي ـ  محمد زكي ابراهيـم:

ليس هناك وصف يليق بالعراق في حقبة ما بعد عام 2020، أي بعد قرن كامل على تأسيسه، مثل تسمية الرجل المريض، الذي ينازع من أجل البقاء.
وأصل هذه التسمية كما يعرف الجميع هو الدولة العثمانية في سنيها الأخيرة، بعد أن بلغت حالاً شديدة من الضعف. وبعد أن شرعت الدول الكبرى في ذلك الوقت بالاستعداد لاقتسامها، والفوز بأجزاء منها. لكن ذلك لم يتحقق على أرض الواقع، إلا بعد نشوب الحرب العالمية الأولى.

ولم يكن داء الرجل المريض في حينه منحصراً بالسلطة السياسية، على الرغم مما فيها من مساوئ. ولو كان الأمر كذلك لشفي وتعافى بعد انقلاب عام 1908 الذي قادته مجموعة من شباب حزب الاتحاد والترقي العثماني.

لكن الحقيقة أن ما أصاب جسد الامبراطورية من الوهن ناجم عن الخواء الروحي الذي انزلقت إليه، والأمراض الاجتماعية التي أصابتها. ولم يكن مثل هذا الأمر موجوداً عند نشأتها. فقد قامت على عقيدة صوفية محضة، مكنتها من فتح أقوى البلدان، وعلى رأسها القسطنطينية.

ويغلب على الظن أن العراق، الذي عانى من الانقسام الفئوي والاجتماعي، وبدأ البعض من مكوناته يتطلع للانفصال، يمر بنفس الظروف. وقد ينتهي إلى ذات النتيجة إذا لم تتداركه قوى الثورة الجديدة.

إن النزعات الانعزالية التي تنبعث من هنا وهناك، كلما واجهت الدولة أزمة خانقة، مثلما حدث بعد عامي 2003 و2014 ، ليست جديدة. فعمر البعض منها يزيد على القرن. وقد اعتادت أن تعمل على إغراق البلاد بالمشاكل، ومنع أي استقرار فيه، لأن ذلك يعزز من ميولها الانعزالية.

ولم تلتفت الدولة – إلا في حالات قليلة وغير محسوسة – إلى إعادة النظر بالتوزيعة السكانية للبلاد، ومنع تكوين جيوب عرقية أو طائفية فيها. فمثل هذا الأمر هو مقدمة منطقية للانفصال.

كما تراجعت الثقافة العربية في شمال وشرق البلاد حتى باتت في عداد الثقافات الأجنبية. ووقفت النخبة مكتوفة اليدين، بعد أن أصيب الفكر القومي بالشلل. وظهرت تيارات شعبوية وغربية ومذهبية، لم يكن الانحياز للعربية من جملة متبنياتها. رغم أنها إحدى أهم دعائم الوحدة الوطنية.

وليس ثمة شك عندي أن الثورة على هذه الظواهر التي اجتاحت البلاد وغرست فيه روح الخذلان والتفكك، باتت ضرورة قصوى. لكن ما شهدته العاصمة وبعض المحافظات الجنوبية في العامين الأخيرين من احتجاجات، ليست جزء من هذه الثورة. لأنها لم تخرج في قليل أو كثير، عن منظومة القيم المنفلتة هذه.

إن من المفيد أن ندرك أن ليس بوسع القوى التي تملك النفوذ الآن أن تفعل شيئاً إزاء الأزمة العراقية، لأنها تسير في الاتجاه الخاطئ، هي وقواعدها الشعبية. كما أن سقوط البعض منها، ونهوض البعض الآخر، لا يشكل فارقاً كبيراً، لأن الاليات التي تدعم هذا التغيير، ليست صالحة دائماً لتقويم المسيرة. أي أنها لم تعد قادرة على إنقاذ الموقف. أما الثورة العارمة التي تستمد سلطتها من المجتمع، وهدفها وحدة البلاد، فهي التي ترفض كل أشكال السلوك الشاذ الموجود حالياً. مثلما ترفض أن تنتهز بعض القوى التي احترفت البغاء السياسي، الفرصة لتطرح نفسها بديلاً محتملاً.

إن بذرة هذه الثورة موجودة حالياً لأنها تمثل ضمير المجتمع. وتحظى بدعم شرائح كبيرة فيه، رغم أنها لم تحسم خياراتها العملية بعد.

لقد جرب الناس نظام إطلاق الحريات هذا، بعد تجارب مريرة مع النظام الاستبدادي، وكانوا يأملون العيش بسلام مثل باقي دول العالم. بيد أن ما حدث كان خلاف ذلك تماماً. فقد تفاقمت المشاكل، وازدادت حدة، وباتت البلاد على حافة الهاوية. ومعنى ذلك أن هذا النظام لم يحن أوانه في العراق. وأن هناك مراحل كثيرة يجب المرور بها قبل الولوج إليه، مثل تصفية جيوب التخلف الاقتصادي والتربوي والإداري فيه.

وعند ذاك سيكون من تحصيل الحاصل أن يبزغ فجر النظام الديمقراطي القائم على المبادرة الفردية وحقوق الإنسان وإطلاق الحريات. وستكون كل العقبات القوية الموضوعة أمامه، قد حسمت بشكل نهائي.

مصادر: وكالات – تواصل اجتماعي – رصد وتحرير و نشر محرري الموقع 

وكالة تنشر النصوص بلا قيود..  المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مصدرها

اكتب لنا: iraqhuffpost@gmail.com

78 متابع ...
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments