القائد الرمز

القائد الرمز

هاف بوست عراقي ـ 

محمد زكي ابراهيـم

من يقرأ تاريخ الأحزاب العراقية في مختلف العهود، يجد أنها ولدت لتموت، وبدأت لتنتهي. ليس لأنها لم تحظ بأتباع، أو لم تكن لها رؤية، بل لأنها ارتبطت بشكل وثيق بوجود مؤسسيها. فهي حاضرة بحضورهم، قوية بقوتهم. وحينما يتقاعدون عن العمل، أو يعتكفون في المنزل، أو يودعون الدنيا الفانية، تتحول هي  بدورها إلى مجرد ذكرى.

وإذا ما حدث أن ألفت الأحزاب من أشخاص عازفين عن الأضواء، راغبين عن الشهرة، فسيقوم الآخرون باختيار اسم أحد الأعضاء، ممن يمتلك مؤهلات القوة، وصفات الزعامة، ويضعونه في الواجهة. مثل هذا الأمر ليس سراً، ولا مستغرباً، بل هو من بدهيات السياسة. لا في العراق وحده، بل في دول كثيرة في هذا العالم المترامي الأطراف.

إن غاندي في الهند، وماو في الصين، وتيتو في يوغسلافيا، وعبد الناصر في مصر أمثلة حية على دور القائد الرمز. فحينما اغتيل غاندي، وهو رجل المقاومة السلمية، خاضت الهند أكثر من حرب مع جاراتها في باكستان والصين. وأنشأت جيشاً ضخماً، ثم امتلكت القنبلة الذرية. لتكون إحدى الدول القليلة في عالمنا هذا التي تحوز على هذا السلاح الفتاك.

وحينما مات ماو تسي تونغ، تحولت الصين من دولة شيوعية مغلقة، تحرم الملكية الخاصة، وتمنع السفر إلى الخارج، ولا تسمح بدخول الأجانب، إلى دولة انفتاح واستثمارات، وسفر وسياحة، ومعامل وشركات، وغير ذلك من أمور !

وما إن توفي جوزف بروز تيتو حتى غرقت يوغسلافيا في حروب طاحنة، وعمليات إبادة جماعية، وتدخلات أجنبية، وانتهت إلى خمس أو ست دول، يعادي بعضها بعضاً.

وحينما رحل جمال عبد الناصر، تحولت مصر من دولة اشتراكية إلى شبه رأسمالية. ومن رافعة لواء القومية إلى المصالحة مع إسرائيل. ومن التحالف مع الاتحاد السوفييتي إلى القطيعة معه، ومن العداء للولايات المتحدة إلى الصداقة معها!

وقد ماتت في العراق أحزاب مثل الوطني الديمقراطي والاستقلال والقوميين العرب والبعث والشيوعي، بعد أن خسرت زعاماتها الأصلية، واستبدلتها بأخرى ضعيفة، أو مختلف عليها. أما الأحزاب الإسلامية، فقد ارتبطت زعاماتها بمرجعيات دينية، لم تلبث بعد أن انتهى زمانها أن غادرت الساحة، أو تحولت إلى شئ مخالف، أو تشظت إلى مجموعات صغيرة، أو انزوت تنتظر موتها في أقرب فرصة.

وسبب ذلك كما لا يخفى على الجميع، عائد إلى موقف الثقافة العراقية السلبي من الجماعة، وإيمانها المطلق بالقائد الرمز. وما أن تدور الدائرة على هذا الشخص، الذي يحظى بالإجماع، ويحوز على الرضا، حتى تنهار كل هذه المظاهر، ولا يبقى منها سوى الذكريات، والمواقف الشخصية، والروايات المتداولة.

مثل هذا الأمر لا يبدو أنه شائع في البلدان الغربية التي تقوم على نظام مؤسساتي يجعل استمرار وجود الأحزاب معتمداً على سياستها الاقتصادية. وما يتطلبه ذلك من علاقات دولية، وهيمنة، وتجارة، وحروب، واتفاقات، وسوى ذلك.

هل هؤلاء على صواب، أو نحن الذين تتهاوى مؤسساتنا حال فشل رموزها في إقناع الناس، أو كسب رضاهم. وهي أمور أصبحت الآن متاحة للجميع، في مواقع التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام المختلفة الأخرى؟

يبدو أن الموضوع لا يتعلق بالصح والخطأ، بقدر ما يتعلق بالثقافة والطباع والأمزجة والمتغيرات. علينا أن نعترف أن هناك أدواراً مختلفة مرت بها بلداننا الشرقية بوجه عام، والعراق بوجه خاص. وكل هذه الأدوار لها شخوصها، وأحزابها، وقواها، ونفوذها، وامتداداتها في الحياة العامة. ولعل أهم دوافع الفشل في عراق ما بعد 2003 هو ضعف الرموز والقيادات والأسماء التي تستطيع إقناع الأغلبية الساحقة من الجمهور، وتستقطب منهم الاهتمام والدعم.

ليس بيد أحد أن يصنع رمزاً في غمضة عين، ما لم يكن يمتلك المؤهلات الموضوعية والذاتية، التي تجعله قادراً على جذب الاهتمام. على الرغم من وجود أشخاص كثيرين لا يخلون من بعض هذه الميزات على الأقل!

إن القائد الرمز هو الذي يغير مزاج الجماهير، وليس العكس. أما إذا كان يتغير معها، ويتأثر بانفعالاتها، ويسير على هواها، فلن يكون رمزاً بأي حال من الأحوال. وهذا هو ما حدث، ويحدث لدينا بكل أسف كل يوم!

تابع صفحتنا في فيسبوك

مصادر: وكالات – تواصل اجتماعي – رصد وتحرير و نشر محرري الموقع 

وكالة تنشر النصوص بلا قيود..  المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مصدرها

اكتب لنا: iraqhuffpost@gmail.com

 

69 متابع ...
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments