دور جماعات الضغط والمال في اختيار المرجع الأعلى

هاف بوست عراقي ـ رصد المحرر- ز.ا.و: كتب د. علي المؤمن: هناك جهتان نفعيتان داخلية وخارجية، ظلتا تحاولان ولاتزالان خلق مرجعية أو رمزية دينية شيعية تنسجم مع إرادتهما و تحقق مصالحهما، وهما:
1- جماعات الضغط والمصالح داخل الحوزة العلمية.

2- الانظمة السياسية المحلية والدولية، ولا سيما بريطانيا والنظامين الشاهنشاهي الإيراني والبعثي العراقي. ثم دخلت أنظمة السعودية وأمريكا والإمارات واسرائيل على الخط بعد سقوط النظام البعثي في العام 2003. وتتولى أجهزة مخابراتها هذه المهمة.

وتستخدم هاتان الجهتان وسائل تأثير مهمة، أبرزها:
1- الدعاية والترويج والإعلام، لمصلحة الشخص الذي يريدون إيصاله الى مستوى المرجعية والرمزية، وضد من يريدون تسقيطهم من الأشخاص المنافسين أو الذين يحولون دون ضرب سياقات الحوزة.
2- المال، لدعم الشخص الذين يريدون إيصاله دعماً مباشراً أو غير مباشر، وتسقيط الآخرين، وشراء الذمم.
3- الضغوط الاجتماعية والسياسية والمخابراتية.

ودون شك؛ لا تستطيع الدول الأجنبية تحقيق أي هدف لها في هذا المجال دون وجود جماعة ضغط داخلية متعاونة. وبالتالي؛ فإن الخطر الأساس يكمن في جماعات الضغط الداخلية المتعاونة مع دول خارجية، لتحقيق هدف مشترك؛ لأن خطرها مركب. وأنموذجها الجماعات التي كانت تعمل مع النظام الشاهنشاهي الإيراني والنظام البعثي العراقي، أو التي لاتزال تعمل بشكل مشترك مع بريطانيا وأمريكا والسعودية، وهي ظاهرة جديدة لم تعرفها الحوزة العلمية قبل القرن العشرين الميلادي.

أما جماعات الضغط الداخلية التي تعمل بمفردها، ولأهداف حوزوية أو مصلحية صرفة، ولاينطوي حراكها على أهداف سياسية؛ فهي موجودة منذ نشوء الحوزة، وضررها أقل بكثير؛ بل لا يتسبب بعضها بضرر؛ لأنه يعمل بنية الحرص على الحوزة. وهذه الجماعات هي أكثر قدرة على تحقيق أهدافها من جماعات الضغط المتعاونة مع دول أجنبية؛ لأن جماعات الضغط المنفردة أكبر عدداً وأكثر تأثيراً، وتستخدم وسائل تقليدية متعارفة، فضلاً عن أن أغلب أفرادها من أصحاب العمق الاجتماعي الديني في الحوزة.

والى جانب جماعات الضغط الداخلية العامة، هناك جماعات ضغط خاصة، تعمل لمصلحة جماعة أو رمزية أو مرجعية معينة، كما ذكرنا سابقاُ. هذه الجماعات تكون غالباً مكشوفة وتعمل بوسائل تتعارض مع الرأي العام الحوزوي. ولذلك يكون تأثيرها محدوداُ، وإن حظيت بأدوات دعاية وميزانيات كبيرة.

هذا الحجم الهائل من محاولات الاختراق، يفرض السؤال التالي: هل حققت محاولات الدول الأجنبية وجماعات الضغط المتعاونة معها أهدافها في خلق مرجعيات دينية أو رمزيات حوزوية عبر الدعاية والمال والضغوطات؟

من خلال البحث في الوقائع التاريخية والتقصي الميداني للحاضر القائم، أستطيع الجزم بأن عناصر الدعاية والمال والعمل المخابراتي والضغوطات السياسية لم تنجح خلال المائة وعشرين عاماً الأخيرة في خلق مرجعية دينية أو رمزية حوزوية شيعية إطلاقاً، وأنّ كل المحاولات كانت تفشل بمرور الزمن أو تموت في المهد. هذا من جهة الدول الأحنبية وجماعات الضغط المرتبطة بها. أما جماعات الضغط الداخلية المصلحية التي تعمل بمفردها، سواء العامة أو الخاصة، فإنها لاتستطيع تغيير المعادلات المرجعية والحوزوية، إلّا بمساحات محدودة. وكل مايقال في هذا المجال إنما هو حكايا وسرديات لاواقع لها، أو وقائع انتقائية جزئية لا تؤثر في الخط العام.

لقد بذلت السعودية بعد العام 2003 مساعي كبيرة وبذلت أموالاً طائلة لخلق مرجعيات ورمزيات دينية شيعية عراقية وايرانية ولبنانية، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً، وتحول الأشخاص الذين تعاونوا معها وحصلوا على دعمها الى أدوات مكشوفة للتخريب فقط، دون أن يكون لهم حضور ديني حقيقي. وقد تستطيع حكومات السعودية وبريطانيا وأمريكا واسرائيل خلق وتحريك عشرات المعممين وبعض الخطباء ونجوم الإعلام الديني؛ لكنها لا تستطيع خلق رمزية دينية أو مرجعية معترف بها حوزوياً في العراق وايران وغيرهما، حتى لو أنفقت مائة مليار دولار، وخصصت ألف قناة فضائية ومؤسسة إعلامية.

وهو الحال نفسه مع جماعات الضغط الخاصة المنفردة، فهي لا تستطيع تحقيق أهدافها النهائية. فربما تحقق أهدافاً مقطعية مقبولة حوزوياً، لكنها لن تستطيع إيصال مرجعها ورمزيتها الى موقع المرجعية العليا.

مثلاً؛ في الأعوام 1999 الى 2001 كان اثنان من مراجع الدين في خارج العراق تصلهم أموالاً شرعية وتبرعات كبيرة، ولديهم مؤسسات وأوقاف واسعة، تعد ضمن المؤسسات الأكثر ثراءً على مستوى العالم الشيعي. وفي الوقت نفسه يمتلكان إعلاماُ منظماُ واسعاً، ويعيشان فضاءً منفتحاً وحراً، ويحظيان بدعم تيارات منظمة. بينما كان السيد علي السيستاني في النجف يعاني حصاراً وعزلة على يد النظام البعثي العراقي، وليس لديه فضائيات ولا وسائل إعلام ولا حرية حركة. ولكن السياقات والأعراف الحوزوية أخذت مجاريها الطبيعية، وبرز السيد السيستاني مرجعاً أعلى دون أن يكون للمال والإعلام تأثيراً في فرزه، بل ولم يكن لجماعات الضغط الداخلية تأثيراُ أساسياً. نعم كان لها تأثير في الترويج لمرجعيته، وهو أمر طبيعي. إلًا أن دور أهل الخبرة والعرف العام الحوزوي كانا هما الأساس في تثبيت مكانة السيد السيستاني.

ولايقتصر هذا على الحوزتين المركزيتين في النجف وقم؛ بل الحوزات العلمية الأخرى أيضاً. فعلى مستوى الحوزة والمرجعية في ايران؛ فإن اختراق السياقات والأعراف الحوزوية بات شبه مستحيل بعد العام 1980، بالتزامن مع عملية المأسسة والضبط والتوسع. أما حوزة النجف؛ فبرغم ماقد يلاحظ فيها من بساطة التنظيم والضبط؛ إلّا أن هذه البساطة تخفي وراءها نظاماً غاية في التعقيد والضبط، وهو نظام يتمتع بسياقات وأعراف موروثة متراكمة حادة، تحول دون تمكن أية جهة أجنبية أو جماعة داخلية من تغيير معادلاتها وحرف مساراتها.

لذلك؛ فإن الكلام عن أن المرجعية العليا تصنعها الأموال والدعاية والأنظمة؛ إنما هو كلام غير موضوعي ولايمت الى حقائق النظام الاجتماعي الديني الشيعي بصلة، ومبني على كثير من الوهم والخصومة، وقليل من التفاصيل التي تفتقد الى الدلالة.

 

مصادر: وكالات – تواصل اجتماعي – نشر محرري الموقع

وكالة تنشر النصوص بلا قيود..  المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مصدرها

اكتب لنا: iraqhuffpost@gmail.com

201 متابع ...
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments