صدّام.. قصة الصعود.. التوحش حتى مع الرفاق والبكر.. يتيم في مجتمع بدوي أورثه التمرّد والقسوة

537 متابع ...

هاف بوست عراقي ـ رصد المحرر- ز.ا.و: نضال العياش: كيف تمكّن صدام حسين من تصفية قيادات الحزب والدولة والإستحواذ على كلّ شيء خلال فترة قصيرة رغم حداثة سنّه الزمني والحزبي ورغم صغر مركزه قياساً بالقيادات التي أقصاها؟
وكيف صمت القادة وهم يرون رفاقهم يتساقطون واحداً تلو الآخر بالتصفية الجسدية والإقصاء الوظيفي والحزبي؟

سؤالان يتكرران كثيراً ..
سأحاول الإجابة على هذين السؤالين من خلال معرفتي بتأريخ صدام وفلسفته في الحياة والحكم ..
كما هو معروف عن صدام حسين يمتلك شخصية قوية لم ينكرها حتى اعدائه ..
ونزعة مخابراتية أو (رجل منظمة سريّة ) بحسب تعبير حسن العلوي ، اضافة الى خواص أخرى في شخصيته كالجسارة وعقلية المؤامرة والتوحّش تجاه من يشك بولائه ..
فالخيانة في فقهه هي عدم الموالاة له لأنه كأي حاكم اله يحتكر الحقّ والحقيقة ..
اضافه الى خشيته من أي شخصية لها حضور وقوّة لماذا ؟

لأن شخصية بمواصفات كهذه تعني عدواً محتملاً أو شريكاً نديّاً ، وهو بطبيعته المتألّهة لايحتمل فكرة الشريك ..

يضاف الى ذلك عقد موغله في ذاته بسبب من تجربة يتم مبكرة كان من اخطر نتائجها الفقر والإستضعاف والأخطر هو زواج والدته من شخص لم يكن يحبّه ..

وهكذا بدأ يتيما وفقيرا في مجتمع بدوي قاس وفي ظل زوج أمّه فورث التمرّد والقسوة والصبر بمايشبه وسائل الدفاع الذاتي ..

كل هذه الصفات والأساليب حملها معه الى الحزب الذي كان معارضا يعتمد العمل السري كإحدى استراتيجياته العملية ..

لن امضي بعيدا في سيرة صدام لأنها معروفة للجميع ..
وسأدخل في اللحظة التي شكّلت انطلاقة صدام الحقيقية ..
إنه جهاز حنين الذي شكّل عام ١٩٦٤ ثم عهدت قيادته لصدام عام ١٩٦٦ وفي ذات العام انتخب عضوا في القيادة القطرية.
جهاز حنين هذا كان جهازاً أمنياً هدفه الرئيس هو ضبط الحزب من ناحية العمل والأعضاء بعد الضربة الموجعة التي تلقّاها في تشرين 1963 بما سمّي في ادبيات الحزب ردة تشرين السوداء ..
من خلال هذا الجهاز تمكن صدام من بناء قاعدة بيانات تخص الأعضاء كما تمكن من استقطاب العديد من العناصر (شقاوات ومغامرين ) والتي أوكل لها عمليات خاصة كالمراقبة والإغتيال ..
كان صدام صبوراً على تحقيق اهدافه ولذا لم يتعجل تخطي قادته ولاسيما البكر ..
البكر استقطب صدام وغطّاه لأنه وجد فيه وسيلته لتثبيت سلطته بمايحمل من مواصفات خاصة اضافة الى انه ابن عم له ..
البكر عام ١٩٦٨ كان يبلغ من العمر ٥٤ سنة وصدام ٣١ سنة فقرّبه واحتضنه وأظن البكر كان يمهّد له ليخلفه في الحكم والواضح أكثر ان البكر يثق بصدام يؤمن بإخلاصه له ولذا لم يعترض على أي قرار له حتى تلك التي كانت تمسّه وجدانيا كاعدام قريبه وصديقه اللواء رشيد مصلح بعد اارغامه على الاعتراف بالتجسس وبعدها اقصاء الفريق حردان التكريتي ثم ماحصل مع ناظم كزار ومحمد فاضل وعبدالخالق ..
وجود صدام هو الذي أبقى البكر في السلطة ١١ عاما اذن كانت بين الرجلين علاقة تخادم سياسي وأمني ..
جهاز حنين كان العتبة الأولى للدولة العميقة التي شكّلها صدام ثم انتقل بالجهاز ليكون نواة المخابرات العامة (مكتب العلاقات العامة ١٩٦٩ ) اضافة الى توليه منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ..
في البداية لم يشأ صدام ان يظهر في الصورة لأنه يريد أن يتمم السيطرة على البنى التحتية للنظام تحديد المراكز ونقاط الضعف والقوة والارتباطات الداخلية والخارجية لأعضاء القيادة ..
مركزك في انظمة كهذه لاتحدده كفاءتك ولاقوة مركزك الرسمي في الحزب والدولة انما مركزك وعمق جذرك في الدولة العميقة التي منع صدام أي قيادة من الإطلاع عليها والتعرّف حدودها أو مشاركته فيها ..
كان ناظم كزار بسطوته وأساليبه قريباً من اختراقها ولذا تمت تصفيته على عجالة لأنه كبر أكثر مما يجب ..
في فقه الدولة العميقة لاحصانة لأحد .. ولاقدرة لأحد على ان يحمي غيره لأنه عاجز ان يحمي نفسه أساسا..
فأنت وكل عناصر قوتك ، تحت المشاهدة ومساحاتك محددة سلفا…

شرعية البكر هي الغطاء الذي وفّر لصدام كل مايحتاجه في حركته وصعوده لاسيما صارت مركزية السيد النائب تعادل مركزية الرئيس البكر وتم تكريس صيغة قائدان لمسيرة واحدة ..

من خلال الدولة العميقة تمكن صدام من الهيمنة على الحزب والجيش وبقية الأجهزة الأمنية فلم يكن هناك قرار او توجه لايمر به أو من خلاله لاسيما بعد تعيين شقيقه برزان رئيسا للمخابرات عام ١٩٧٧ وهو بعمر ٢٦ سنة.

ثم تعيين ابن خاله وربيبه وخال اولاده عدنان خيرالله وزيرا للدفاع عام ١٩٧٦ بعد ترقيته من رتبة عقيد ركن الى فريق اول ركن طيار…

لقد أشاع الرجل الخوف على صعيد افقي شمل الشعب وعمودي شمل القيادات الحزبية والعسكرية وعمل تحت شرعية البكر لتصفية القيادات القوية واضعاف البقية تهيئة لتصفيتها لاحقاً…

ليس لأحد مطّلع على تجارب الدول العميقة ان يتصور ان هناك امكانية لدى أي عضو من اعضاء القيادة أن يعترض او يواجه جبروت صدام فصدام لم يكن مجرد شخص انما مؤسسة خفية رهيبة..

هذه التصفيات التي بدأت بإبعاد النايف والداوود في ٣٠ تموز ثم اغتيال ناصر الحاني اول وزير خارجية في تشرين الثاني ١٩٦٨ مرورا بحردان الذي اعفي من مناصبه وابعد عام ١٩٧٠ قبل اغتياله عام ١٩٧١ رغم قوة حردان الشخصية وقوة مركزه ونفوذه في الجيش كضابط تأريخي ووزير للدفاع مع ذلك سهل اقصاؤه ومن خلال رسائله للبكر تكتشف قوة صدام ونفوذه رغم ان حردان في الأساس اكبر من صدام سنا وتأريخا وشأنا ولايقل عنه حضورا وقوة..

بعدها اقصي صالح مهدي عماش الذي مات سفيرا في فلندا ١٩٨٥ وهو احد أهم قادة الجيش والحزب والثورة ثم ناظم كزار ومحمد فاضل وعبدالخالق السامرائي ١٩٧٣ في الحركة التي أودت بحماد شهاب وزير الدفاع والشخصية اللامعة ثم تصفية الشيوعيين ١٩٧٨ برغم وجود الجبهة الوطنية وصولا الى عام ١٩٧٩ حيث الخاتمة اقصاء البكر وتصفية من تبقى من القيادات التي حددها مسبقا انها قيادات غير موالية فكانت مجزرة قاعة الخلد.

صدام شخصية تعرف ماذا تريد وكيف تصل الى ماتريد ولايحدّه اي عائق عاطفي او أخلاقي لذا هو منذ البداية حدد اهدافه وحدد عوائق هذه الأهداف من شخصيات وقوانين وقيم فسحق كل شيء وقف امامه ..
وهكذا كان صدام الرجل الذي تسلّق هرماً شاهقاً من القيادات القوية ذات الحضور والمكانة والنفوذ.

تسلّق هرما فأسقطه حجراً حجرا.. حتى اذا بلغ القمة لم يتبق من الهرم / الدولة/ الحزب ..
الا الهواء..

**الصورة للفريق حردان التكريتي نائب رئيس الجمهورية يفتتح مشروعا ما أظنه جامع ام الطبول ويظهر خلفه صدام حسين بملامح تدلّ على حقيقة العلاقة بين الرجلين.

مصادر: وكالات – تواصل اجتماعي – نشر محرري الموقع

وكالة تنشر النصوص بلا قيود..  المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مصدرها

اكتب لنا: iraqhuffpost@gmail.com

0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments