عالم ما بعد الكمامة

هاف بوست عراقي ـ رصد المحرر- كتب عباس عبود: الحرب العالمية الثالثة التي طالما وضع خطوطها اصحاب مراكز الاستشراف، ووصف ادواتها واسلحتها ووقائعها الادباء واصحاب الخيال الخصب، قد دقت اجراسها اليوم لتقتحم حياتنا و تدمر نظامنا وتفتك بشعوبنا، حرب باغتت الزعماء و روعت الشعوب وقلبت حسابات امهر الاستراتيجيين، انها ببساطة (حرب كورونا) تلك الحرب التي نعيشها ونحن مختبئون في المنازل هاربون من بطش العدو.

حرب كورونا اوقفت دوران المصانع، واخرست اصوات تجار الكلام وصناع الدعاية المتلاعبون بالعقول، هجمات فايروسية اهانت غرور مهندسي الصواريخ العابرة للقارات، ومصممي المفاعلات النووية التي صنعوها ليكونوا قادرين على ازالة امم كاملة من الوجود.

الحرب العالمية التي نعيشها اليوم هي ليست مثل الحرب العالمية التي كان يتصارع فيها هتلر، وموسوليني، وهيرو هيتو، مع روزفلت، وستالين، وونستون تشرشل، كما انها لاتشبه الحرب الباردة التي خيمت على العالم لعقود متتالية، ولا تشبه الحرب على الارهاب التي نعرف فيها من هو العدو ومن هو الصديق.

في هذه الحرب مع كورونا يقف ترامب، وجونسون، وميركل، وتشي جين بينغ، وبوتين، وماكرون وكونتي، وروحاني جميعهم امام عدو واحد، وخلفهم تتجمع كل شعوب الارض تقاتل بسلاح التباعد والتفكك والهروب، والجميع يشكو نقص الكمامات وادوات التعقيم.

انها حرب تفتقر ديباجات خطب القادة فيها الى التباهي بالقوة بل يبرز الاعتراف بالفشل و العجز، ومحالة الصمود امام فايروس بحجم 125 نانومتر لا يرى الا من خلال مجاهر متخصصة، عدو لا يواجهنا ببوارج حربية ولا نواجهه بطائرات عملاقة ولا عربات قتال مدرعة، بل ليس امامنا سبيل للمواجهة الا بكريات دمنا البيضاء، عدو تجهل (السي ىي ايه) و(ام آي 6) وغيرها من وكالات الاستخبارات المحترفة من اين يأتي لأنه يتسلل الى اجسامنا وينتقل من اقرب الناس لنا بطريقة مرعبة مازلنا عاجزون عن ايقافها.

في الحربين العالميتين كان التلاحم والاشتباك من نصيب الجنود ويبقى الملوك والزعماء متنعمين بهدوء القصور، لكن كورونا غير قواعد الاشتباك واقتحم قصر (باكنغهام) ودخل (داوننك ستريت) ليجبر اشرس الرجال على الاختباء خلف الكمامات واكياس النايلون.

اذن هو عدو لا يمكن لكهنة المعابد معه خداع البشر على انهم الاقرب الى الله، وانهم يتكفلون بإصلاح الامر بين السماء والارض بتراتيل او نذور، كما هو معتاد في ما شهدته حضارات العالم عبر العصور، و لا يمكن لوزراء الدفاع ان يقدموا شيء لرفع معنويات شعوبهم، بل كل ما يملكوه هو ان يجبروا مواطنيهم على البقاء في المنازل.

لكن في كل الاحوال ستنتهي الحرب بعد حين، وسيسدل الستار عن هذه المأساة العالمية المدمرة وقد تركت لنا صدمة لا تماثلها أي صدمة، سيتغير مزاج الشعوب، وسينتكس الاقتصاد العالمي، وتتغير استراتيجيات الامن الوطني للدول، ستتقدم كرورنا وسلالتها على داعش والقاعدة والخطر السيبراني في كونها اكبر مصادر التهديد.

ستعيش اوربا والعالم الغربي تعاظم ترسانات الادوية لتتفوق على ترسانات الصواريخ، وسيدرك العالم ان وجود عربات الاسعاف لدى الدولة اكثر جدوى من وجود الدبابات والعربات المدرعة، وان اجهزة فحص الحرارة اهم من شبكات الرادار، و ان الكمامات واجهزة التنفس واكياس النايلون الصحي اهم من شبكات الباتريوت والملاجئ الحصينة.

ستنتهي الحرب العالمية الثالثة ويستقبل الناجون العالم الجديد بدموع وحرقة على عالم لم يفكر بصورة مناسبة، سيلعن الناجون من الحرب كل مهندسي وتجار الحروب التقليدية عندما يحيون ذكرى موت احبتهم الذين لم يستعدوا جيدا لفراقهم خلال ايام كورونا، سيبحث الابناء عن رماد اجساد ذويهم التي تناثرت في زحام فوضى الحرب.

ستكون شعوب ما بعد كورونا اكثر حذرا من المجهول، واكثر خوفا من القادم، سيتلاشى غرور المهندسين امام صعود الاطباء، وسيزداد الاهتمام بالمجهر اكثر من التلسكوب، وبنظريات نهاية العالم اكثر من نظريات الهيمنة علبه، وسيتعاظم دور مراكز البحث لتفسير الظواهر والمخاطر الجديدة، وسيعيد الاوربيون النظر بأنظمتهم الاجتماعية والصحية والاقتصادية، وستظهر في نصف الكرة الشمالي اصوات للمراجعة والاهمام بالدولة الوطنية التي سحقتها العولمة بوسائلها التدميرية واحلافها التي اثبتت انها لم تقدم لشعوب الارض سوى الاوبئة وتفشي القرصنة والارهاب وبالنهاية الموت القادم من الخارج، اما نصفها الجنوبي ونحن معه سوف تزدهر لدينا السفسطة ويتعاظم شأن الدجالين والمتاجرين بالغيبيات، ويزداد سعر البخور واقلام الزعفران، سينقسم الشعب الى جمهور يرغب في تمجيد الرقص واللهو لنسيان الماضي، و آخر ينهمك بالبحث عن الحكايات التي تجلد الانسان دون ان تقدم له سبل الخلاص.

 

مصادر: وكالات – تواصل اجتماعي – نشر محرري الموقع

وكالة تنشر النصوص بلا قيود..  المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مصدرها

اكتب لنا: iraqhuffpost@gmail.com

341 متابع ...
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments