27/05/2022 07:19

هاف بوست

عراقي

من التوافقية الى الاغلبية السياسية

8 min read

هاف بوست عراقي ـ  مصطفى السراي: لم يكن مفهومي الاغلبية السياسية والتوافقية السياسية جديدين على المشهد السياسي العراقي وانما اقترنت هذه المفاهيم مع بداية تغير النظام السياسي في العراق بعد عام 2003 ، فمفهوم الاغلبية السياسية هو مفهوم مرتبط بالنظام الديمقراطي الذي يقوم عليه النظام السياسي العراقي فالديمقراطية تضمن هناك اغلبية تتحكم بالمشهد السياسي وهناك اقلية عادةً تمارس المعارضة حول طبيعة الحكم من قبل الاغلبية وهذا الامر لم يوضح طبيعة او شكل هذه الاغلبية او الاقلية هل هي مذهبية، دينية ، سياسية ، مجتمعية ، قومية …الخ ، ولكن اغلب الكتاب يؤكدون على انها “عددية انتخابية” اي تعتمد على عدد المقاعد النيابية بغض النظر عن الدين أو المذهب او القومية او التوجه السياسي ، ولكي تتحقق الاغلبية ( والمقصود بهذه الاغلبية ان يحصل حزب سياسي على اغلبية مقاعد مجلس النواب وهي النصف + 1 ) لابد من تكامل عدة عوامل سياسية مثل نضج النظام السياسي وقوانين تضمن حقوق المعارضة ، قوانين تضمن حقوق المكونات الاخرى ويضمن عدم اضطهادها ، قوانين تضمن عدم الاستبداد السياسي ، كذلك عوامل مجتمعية كالوعي المجتمعي السياسي الذي ينتج عنه ارادة ناخب حقيقية لا تتأثر بعوامل دينية او ثقافية او عشائرية او منطقية في آلية الانتخاب ، كذلك نضج مجتمعي يكون قادر على خلق تجمع سياسي كبير يضم العديد من المكونات ، كذلك تكامل عوامل ثقافية و عوامل قانونية اخرى.
هذا الامر يصعب تحقيقه في العراق نتيجة التعدد المجتمعي وتعدد المكونات المجتمعية في العراق ونتج عن تعدد واختلاف المكونات حركات سياسية متعددة مختلفة في الرؤى والمبادئ والاهداف وطريقة ادارة الدولة وطبيعة حكم السلطة ، هذا الاختلاف نتج عنه صراع سياسي ما بين هذه الحركات السياسية والاحزاب شهدته العملية السياسية منذ اول انتخابات نيابية شهدها العراق في عام 2006 وتخسر هذا الاختلاف على مدار السنوات المتتالية في ادارة الدولة ، ولحل هذا الاختلاف نتيجة ما يسمى ( الديمقراطية التوافقية) مفهوم ليس جديد او غير موجود وانما هو طريقة ادارة الحكم الديمقراطي بشكل توافقي ما بين المكونات والحركات السياسية المختلفة يعمل به عادة في الدول التي يوجد فيها العديد من المكونات والتعددية المجتمعية والسياسية ويوجد فيها عدد من الاقليات الدينية او الاثنية او القومية وذلك لخلق عملية توازن سياسي بين هذه المكونات وضمان عدم استبداد مكون ضد مكون اخر وحرمانهم سياسياً ومضايقتهم سياسياً وامنياً ومجتمعياً من منطلق من لديه ادوات السلطة قادر على عمل اي شيء فنشأ عرف سياسي يقوم على اساس توزيع الادوار السياسية ما بين المكونات الثلاث الرئيسية في الدولة ( الشيعية، السنية ، الكردية) عملية توزيع الأدوار تقوم على اساس الكتلة البشرية المجتمعية بغض النظر على الكتلة السياسية او القوى السياسية ، فاصبح منصب رئيس السلطة التشريعية من حصة المكون السني ويشاركه فيه نائبين واحد عن المكون الشيعي والثاني عن المكون الكردي ، ومنصب رئيس الجمهورية من حصة المكون الكردي ويشاركه فيه نائبين واحد من المكون الشيعي والثاني من المكون السني ومنصب رئيس الوزراء من حصة المكون الشيعي وكذلك يشاركه فيه نائبين من المكونين الاخرى ، وكذلك ضمان وجود المكونات والاقليات الاخرى ضمن السلطة التنفيذية من خلال تواجدهم في مجلس الوزراء كوزراء او رؤساء هيئات مستقلة ، اصبح هذا العرف هو النظام الافضل لطريقة ادارة الدولة وتبادل السلطة بشكل سلمي ودون الاضرار بحقوق المكونات الاخرى وكذلك هو الضامن للحصول على الشرعية الدولية للنظام السياسي الجديد بعد عام 2003 في العراق النظام القائم على الاسس الديمقراطية التي تحترم وتمكن الاقليات في عملية ادارة الدولة وتضمن عدم اضطهادهم واعتبارهم شركاء اساسين في الحكم.

الا ان هذا النظام رغم العمل به طوال السنوات السابقة الا انه لم يمنع من ظهور مفهوم الاغلبية السياسية بين الحين والاخر فأول من طرح هذا المفهوم السيد ( اياد علاوي ) رئيس الوزراء الاسبق في عام 2006 الا انه لم يحظى بانتشار او دعم واسع ، وتم اعادة طرح هذا المفهوم من قبل السيد ( نوري المالكي ) في عام 2010 الذي كان حينذاك صاحب اكبر عدد مقاعد مجلس النواب التي بلغت (91) مقعد وكان يرغب للعمل بمفهوم الاغلبية السياسية الذي يمكنه من تشكيل حكومة الا ان هذا الموضوع اثار اعتراض الكتل والمكونات السياسية الاخرى وذلك لسببين؛ الاول هو عدم التوازن ما بين المكونات والخوف من الاضطهاد والثاني هو عدم وجود العدد القانوني الذي يؤهله لتشكيل الكتلة الاكبر وفق ما ينص عليه الدستور وبالتالي لابد من التحالف وعمل التحالفات لحصول على العدد المطلوب وهو ( نصف + 1) وهذا الامر هو اشبه بنفس السياق التوافقي ولكن بصيغة اخرى تمكن صاحب اكثر عدد مقاعد وتضمن حصة المتحالفين اصحاب الاعداد الاقل، الامر الذي اضطر السيد المالكي العدول عن قراره والعمل وفق مفهوم التوافقية.

ليعاد طرح مفهوم الاغلبية السياسية قبيل انتخابات تشرين 2021 من قبل زعيم التيار الصدري السيد ( مقتدى الصدر ) كبرنامج انتخابي سيعمل عليه ويعمل على تحقيق بعد الانتخابات ، الا ان نتائج الانتخاب لم تمكن التيار الصدري من الحصول على النصف + 1 لمقاعد مجلس النواب الذي يستطيع من خلالها تشكيل الحكومة على مفهوم الاغلبية التي يصبح من خلالها الكتلة الاكبر التي تشكل الحكومة الامر الذي اضطر التيار الصدري على عقد تحالفات سياسية مع جزء من القوى السنية والكردية الذي يطرح نفسه هم اصحاب الاغلبية السياسية في المقابل عقدت قوى سياسية شيعية ايضا “الاطار التنسيقي” الى عمل تحالفات وتفاهمات سياسية مع جزء من القوى السنية والكردية اصبحت بعدد مقاعد مقارب الى حداً ما مقاعد “مثلث الاغلبية” ، الامر الذي شكل حجر زاوية في العملية السياسية وسبب في تعطيل انعقاد النصاب القانوني المحدد في الدستور لانتخاب رئيس الجمهورية وهو ثلثي أعضاء مجلس النواب أي ( 220 عضو ) نتيجة الاختلاف ما بين التحالفين على طريقة ادارة الدولة وتوزيع الادوار في السلطة سواء السلطة التشريعية او السلطة التنفيذية حيث يحاول تحالف “مثلث الاغلبية” السيطرة على سلطتين التشريعية والتنفيذية بعيداً عن القوى الاخرى في “الاطار التنسيقي” ويحاول الانفراد بحصة المكون الشيعي باختيار رئيس الوزراء دون اتفاق مع الشركاء الشيعة الاخرين في الاطار التنسيقي الامر الذي اثار حفيظة الاطار التنسيقي وعمل على تعقيد المشهد السياسي كونهم يرون ان هذا الامر ما سار عليه النظام السياسي منذ عام 2003 والى الان ومثلث الاغلبية لم يقدم تغير حقيقي لكسر هذا العرف وانما سار على ذات العرف بمحاولة ابعاد شركاء اخرين ، ومن ذلك نلتمس :

– لا يوجد تطبيق حقيقي لمفهوم الاغلبية السياسية ولا توجد كتلة سياسي تحظى بالأغلبية السياسية وما موجود هو عملية توافقية ما بين الحركات السياسية للمكونات الاخرى تحت مفهوم الاغلبية السياسية.
– مفهوم الاغلبية السياسية يحتاج الى جهد سياسي ومجتمعي وقانوني في العراق لتحقيقيه على ان يضمن الحقوق دون محاولات الاقصاء او الابعاد وكذلك ترسيخ المفهوم مجتمعياً دون الاختيار على اساس ديني او طائفي او عرقي او قومي.
– لم تكمن المشكلة في الديمقراطية التوافقية وانما تمكن في طريقة وادوات ادارة الديمقراطية التوافقية فهي تحتاج الى اعادة صياغة جديدة تلائم الوضع السياسي والمجتمعي الجديد في العراق.

– الديمقراطية التوافقية هي الحل الضامن في الوقت الرهن نتيجة التعدد الحاصل في عدد الكتل والاحزاب السياسية والانقسامات الفكرية والثقافية للتجمعات السياسية وكذلك التوزيع المجتمعي ولتغير هذا النمط لابد العمل على تشريع قوانين تحد من الانشطار الحزبي والتجمعات السياسية المتعددة التي تساهم في عملية التنوع والتعدد وكذلك تشريع قانون انتخابي لا يكسر التعدد والتنوع على اساس مناطقي او طائفي او عرقي وكذلك العمل على تعزيز الثقافة السياسية المجتمعية التي تعمل على انتاج نظام سياسي خارج فكرة التوافقية السياسية.

تابع صفحتنا في فيسبوك

مصادر: وكالات – تواصل اجتماعي – رصد وتحرير و نشر محرري الموقع 

وكالة تنشر النصوص بلا قيود..  المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مصدرها

اكتب لنا: iraqhuffpost@gmail.com

 

0 0 vote
Article Rating

قصص أخرى

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x