هل مات الشعر في بلدي ؟

هاف بوست عراقي ـ كتب محمود الهاشمي: هل مات الشعر في بلدي؟، يعاني الشعر العراقي من ازمة ربما لم تمر على تاريخه الا في الفترة المظلمة من تاريخ الامة ،حيث فقد هذا الفن اعتباره وما عدنا نفرق بالجودة ،فالصحف ملأى بالعناوين والاسماء لهذا الشاعر او ذاك دون ان يكلف مسؤول الصفحة الثقافية (ان كان لها مسؤول).

نفسه مراجعة القصائد المرسلة فهو اما دسها في جيبه صديق او عابر او انتشلها من المواقع والصحف الاخرى.

لايمكن لاحد الان ان يحصي عدد الشعراء بالعراق فقد يتجاوزون عدد الحصى فيما غاب التميز ،والابداع ،والغريب ان احدهم يكتب كل اسبوع قصيدة وينشرها .

ان هذه الفوضى في عالم الشعر جاءت بسبب فقدان الامة ثوابتها القومية والوطنية وحتى الدينية .

في مراحل كثيرة بالتاريخ ،ترى ان الوضع السياسي متدهور لكن الادب حافظ على مكانته ،ففي ستينيات القرن الماضي كان الوضع السياسي بالعراق بائسا لكن هذه المرحلة انجبت لنا فرسان الشعر في تجربتهم وتميزهم ،ومازالت اعمالهم الشعرية ،تفصح عن تاريخ شعري مكتنز بالابداع والسمو ،وكانت يومها المجلات الادبية محط تقدير كبير للقراء.

فهم يتابعون ماينشر بلهف مثل مجلة الاداب اللبنانية ،ومجلة الاقلام العراقية وغيرها بالوطن العربي ،وحتى في السبعينيات كانت هناك مجلات ادبية متخصصة مثل الاقلام التي استمرت في الاصدار ،والتي تعنى ب(الادب الحديث) ويكتب بها شعراء الطبقة الاولى حتى يرتقي شاعر اخر من الشباب ليلتحق بهم ،وكانت هناك مجلة الطليعة الادبية(تعنى بادب الشباب) و التي معظم شعراء جيل السبعينيات والثمانينات كبرت تجاربهم على يديها ،فيما كانت اسرة التحرير بها من الادباء والشعراء والنقاد المتميزين الذين يحسبون لادق التفاصيل ويرعون التجارب والاخذ بيد الشاعر الشاب حتى تنضج تجربته وتقام المهرجانات والاماسي ،اتذكر اني حملت قصيدة الى مجلة (الطليعة الادبية) وسلمتها الى سكرتير التحرير الاستاذ الشاعر والناقد الكبير (ياسين طه حافظ ) وحين اجلسني الى جواره وطالع القصيدة قال(محمود لا جديد لديك فهذه قصيدتك تشبه قصيدك السابقة لذا لافائدة من نشرها ) والسؤال ؛-كيف تفهم الاستاذ طه يومها اني كررت نفسي بهذه القصيدة ؟وفعلا حين عدت للمنزل تفهمت ذلك ! لانه يتابع تجارب شعر الشباب!

المشكلة ايضا في غياب النقد ،فليس هنالك من جيل للنقاد يرعى التجارب الشعرية للجيل المعاصر له ،فترى ان الشعراء يمتدحون بعضهم بعضا ،وان كان هنالك ،فليس هناك من يهتم بنقده ،ثم ان الشعراء لايحتاجون للناقد الذي ينتقد تجربتهم ،فلديهم الصحف والمجلات تحت ايديهم وهناك من هو جاهز للثناء عليهم .

يقول جبرا ابراهيم جبرا ،(اعطاني السياب قصيدة له جديدة ونحن في مقهى البرلمان وحين طالعتها وجدت ان السياب واقع في النثرية فاخبرته بذلك فاجاب (مزقها انت ادرى بشعري مني ) !

المشكلة انا افلي الصفحات الثقافية كل يوم او اكثر فاجد هذا الغث المزعج من الشعر ،فهو مجرد كلمات مكدسة على بعضها وكأنها كومة من التبن اليابس .

الشعراء الذين احب تجاربهم الشعرية واتمنى ان اقرأ لهم غابوا ،وحين التقيهم يقرؤون لي قصائد مبدعة ،وحين اسألهم عن سر عدم النشر يقولون (اين ننشر وفي اي صفحة ومكان ) ؟ هؤلاء الشعراء المبدعون حين شاركوا بالمسابقات الخارجية اذهلوا الناس والنقاد ،،اين هم الان ؟

الشيء الغريب الاخر وبسبب فوضى الشعر والشعراء والنشر دون رقابة ،تجد هذه الاعداد الهائلة من الدواوين والعناوين والاسماء ،فتخجل حتى ان تقول اني اكتب شعرا او صدر لي ديوان !

على اية حالة ان عدم انتظام العملية السياسية يشبه عدم انتظام العملية الشعرية والادبية بشكل عام .

قبل بضعة سنوات كان يعمل معي الزميل الشاعر المرحوم فيصل المحنا بالاضافة الى انه يعمل مصححا لمجلة ادبية تصدر عن اتحاد الادباء ،فاكد لي ان عدد المجلة المقبل سيكون عن (شعراء التسعينيات) وهو يعلم لي دراسة عنهم من (15) صفحة ،كان قد طالعها من قبل ،وحين جلب مجموعة من الكتابات لنقاد عن (شعراء التسعينيات ) وطالعها اثناء التصحيح قال (سيد وجدك كلشي مافتهمت منها بس كلمات وجمل وحتى اللي براسي هم ضاع) قلت له (استاذ فيصل سوف تنشر هذه الكتابات الغير مفهومة حتى لمثل حضرتك ويهمل نقدي ) فرد (مستحيل انت الوحيد الذي تحدثت عنهم بعلمية ووضوح وشواهد كثيرة ) وصدرت المجلة ولم يظهر نقدي فجاء خجلا ووضع المجلة امامي (لا انت ولا اني ولا اكبر واحد يفتهم منها شي) وتساءل عن السر فقلت (هذا هو الادب في بلادنا الغموض والضبابية وتكديس المصلحات عنوان للمرحلة )!

ترى ماذا سيستفيد شاعر التسعينات من هذه النقود وماذا سيستفيد الشعراء المعاصرون عن الجيل الذي سبقهم ؟.

كلما دخلت مقهى (رضا علوان) قدموا لي شاعرا واثنوا عليه وحين اقرأ له اجد ان لاعلاقة له بالشعر والشعراء وكذلك يقدمون شاعرات وقاصات وروائيات وباسماء مرعبة وبالنتيجة لاوجود لذلك قط .

مرة طالعت نقدا لاحد الاخوة عن شاعرة مصرية على صفحته بالفيس بوك ،فوجدته يطري على شعرها ويستشهد بابيات ومقاطع لها ،ابعد ماتكون عن الشعر ،لغة ركيكة جدا مخلوطة بكلمات عامية ،لكنه كان يشكرها لانها استقبلته في مصر وقدمت له الكثير من المساعدة !وحبن عاتبته اكتفى بجملة (مشي سيدنه) و(من يقره من يكتب )؟

اولا ان الكتابة بوضوح عنوان لتمكن الاديب وثقته بعمله وانه لايريد ان يختفي خلف الكلمات المضببة وكأنك تقرأ مجموعة الغاز .

مرة احد المعجبين بانفسهم (جدا) اعطاني قصيدة له وقال (بالله عليك هذه شاركت بها في مسابقة ولم تحصل على شيء؟) اخذت القصيدة طالعتها فلم اجد سوى ابيات مكتوبة بلا هدي ،وان كانت محافظة على الوزن والقافية وخالية من الروح ! قلت له (هذه ليست قصيدة وسردت له الاسباب ،فانزعج
ولم يدنُ مني حتى اليوم وله عشرة دواوين حتى الان تصدر عن هذا البلد وذاك !

حتى تكون شاعرا لابد ان يرافقك ناقدان الاول في داخلك بعد ان تكتنز بالثقافة الادبية والثاني ناقد حصيف يرعى تجربتك الشعرية .

البلد بحاجة الى اعادة ترتيب البيت الادبي وطرد الشواذ والطارئين وان كان صعبا .

الحمد لله ان مكتباتنا ملأى باعمال المبدعين ولا احد يستطيع ان يمنعنا من مطالعتها وبها نهذب ارواحنا ونطهرها مما يعلق بها من ادران الحاضر .وبكائي على الشعر في بلدي لان ذلك مايميزه عن كافة البلدان العربية الاخرى ،وكما يقول النقاد (الشعر يبدأ بالعراق وينتهي به ).

مصادر: وكالات – تواصل اجتماعي – رصد وتحرير و نشر محرري الموقع 

وكالة تنشر النصوص بلا قيود..  المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مصدرها

اكتب لنا: iraqhuffpost@gmail.com

125 متابع ...
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments