شاهد عيان على 17 تموز 86: عارف من ربع عبدالناصر وتساهل مع الشيوعيين فاضطرينا نزيحه

هاف بوست عراقي ـ رصد المحرر- ز.ا.و: كتب هارون محمد: حفّزت ذاكرتي، وأثارت شجوني، مقالة كتبها صديقنا وزميلنا الكبير، الاستاذ مظهر عارف، على صفحته، وبعنوان أنيق (صوت عزيز من قارة أخرى)، اثر مكالمة هاتفية، بيننا، على أساس انني أقيم في تركيا، وهو في أمريكا، وأجمل ما في المقالة، انها جاءت، على ذكر زملاء صحفيين، عملنا سوية في جريدة (الثورة) اليومية التي صدرت في أعقاب تأميم الصحافة نهاية العام 1967.

وهي التي أسماها رئيس تحريرها، حازم طالب مشتاق، (الارض الحرام) في كتاب نشره في طبعة محدودة قبل رحيله، وبحثت عنه ولم أجده، بينما وصفها مظهرنا، بانها جبهة وطنية غير معلنة من قبل أحزاب وقوى سرية قائمة، وكلا الوصفين صحيح، لانها ضمت صحفيين وكتاباً، من كل الحركات السياسية، من التيار القومي، بمختلف اتجاهاته الناصرية والبعثية، اليسارية واليمنية، والشيوعيين بلجنتهم وقيادتهم المركزيتين، اضافة الى صحفيين مستقلين يتبنون أفكاراً ديمقراطية أو ليبرالية، وآخرين ارتبطوا بالسلطات الحكومية، أبرزهم، تحسين السوز، الذي تولى رئاسة تحرير الصحيفة، صبيحة 17 تموز 1968، بقرار من رئيس الوزراء الجديد، المقدم عبدالرزاق النايف، وكان يملك دكاناً سياسياً، يحمل اسم (حركة الثوريين العرب) نكاية بحركة القوميين العرب، وتحسين كان مسؤول الاعلام والصحافة فيها.

وقد رويت جزءً مما حصل للجريدة، في ذلك اليوم التموزي اللاهب، لزميلنا الدكتور مليح ابراهيم صالح شكر، الذي يعكف على نشر كتاب، يتناول فيه، صحافة ما بعد 17 تموز 1968، والمنازعات التي حدثت بين البعثيين والنايفيين، (نسبة الى النايف) للاستيلاء على صحيفتي (الثورة والجمهورية) اليوميتين، خلال الايام الثلاثة عشر، وصولاً الى الثلاثين من تموز.

في صبيحة 17 تموز 1968، سمعنا البيان الاول المذاع من اذاعة بغداد، وكان بلغة بسيطة وعبارات عادية، يعلن قيام الثورة، وسميت (بيضاء)، على الرئيس عبدالرحمن عارف، بصوت الفريق حردان عبدالغفار التكريتي، كما عرفنا لاحقاً، وقد أصبح عضو مجلس قيادة الثورة ورئيس اركان الجيش وقائد القوة الجوية، مرة واحدة، في ذلك اليوم.

وتتالت البيانات وكان البيان رقم 2، اعلان حظر التجوال في العراق، والبيان الثالث حجز أموال الفريق طاهر يحي رئيس الحكومة، وكانت مستقيلة منذ التاسع من تموز، وعدد من السياسيين، وبعضهم كان معارضاً، للرئيس المعزول، اذكر منهم فؤاد الركابي زعيم الحركة الاشتراكية العربية، وعلي صالح السعدي القطب البعثي السابق، وهاشم على محسن رئيس الاتحادين العراقي والعربي للعمال، وخيرالدين حسيب، محافظ البنك المركزي السابق، وعشرات غيرهم، ولم نكن نحتاج الى كثير من التفكير، لمعرفة الاطراف المشاركة في الانقلاب.

وفجأة أذاع راديو بغداد، بيانا بلا رقم، دعا فيه العاملين في جريدة (الثورة) من محررين وطباعين ـ هكذا ورد ـ الالتحاق بالجريدة، ويومها كنت اسكن في شقة متواضعة بشارع الامين، وقد قررت الذهاب، الى الجريدة، وسلكت شارع الجمهورية ماشياً، وكان خالياً من المشاة والسيارات.

وفي الطريق الطويل، كنت شخصياً، في حالة حزن وغضب، وكنا في الحركة الاشتراكية العربية، نعرف ان زعيمنا فؤاد الركابي، رفض عرضاً، من النايف، ان يكون رئيساً للوزراء، قدمه اليه، في نيسان 1968، وكان فؤاد معتقلاً في الامن العامة، بتهمة التحريض على اضراب طلبة جامعة بغداد، بحضور المقدم اسماعيل شاهين، مدير الامن العام بالوكالة.

ونعرف ايضاً، ان المقدمين عبدالرزاق النايف، معاون مدير الاستخبارات العسكرية، وابراهيم الداود، آمر لواء الحرس الجمهوري وكالة، كانا ( دلالين) لانقلابهما، وذهبا الى اللواء عبدالعزيز العقيلي، وزير الدفاع السابق، وعرضا عليه، رئاستي الجمهورية والوزراء، ولكنه استنكف التعاون معهما، وتلك قصة اخرى، يأتي آوان نشرها، كما انه لم يعد سراً.

ان الاثنين اتفقا مع الوزير السابق، رجب عبدالمجيد، ليكون رئيساً للوزراء، عند تنفيذ انقلابهما، وقد اتصل الرجل، بعدد من الشخصيات القومية للتعاون معه، في تشكيل حكومة قومية موسعة، وطي صفحات خلافاتهم مع رئيس الجمهورية الجديد، احمد حسن البكر، وقد نصحه صديقه الاثير، ناجي طالب، بالتريث والحذر، ولكنه كان مقتنعاً، وصار عنده علم، بساعة الصفر، حيث استقيظ مبكراً، صباح يوم 17 تموز، وارتدى بدلة جديدة، وظل ينتظر في حديقة داره بالمنصور، سيارة تقله الى القصر الجمهوري، لتسلم منصبه الموعود، الى ان سمع البيان الاول، بصوت حردان، فعاد الى نومه، مكتئباً، وتلك حكاية اخرى، يحين وقت سردها.

ووصلت الى مقر الجريدة، وهي في الاصل، بناية دار الاخبار، (الجريدة القديمة) العائدة الى المرحوم جبران ملكون وأولاده، ومنهم جوزيف المترجم والصحفي، وكانت أحدث دار صحفية عراقية في ذلك الوقت، وتتألف من طابقين، الاول فيه المطبعة وقاعة للاجتماعات، جانبية في الحديقة، وست غرف، يشغل الاولى، عند المدخل على اليمين، احمد فؤاد مدير الادارة، ومعاونه الملاحظ فؤاد حبيب، تقابلها غرفة صغيرة للاستعلامات والبدالة، وكان يداوم فيها، حسين الشهربلي، الطالب في قسم الصحافة بكلية الآداب يومها، وباسم البزاز (السفير لاحقا) وكان طالباً في كلية الحقوق، ثم يأتي الممر على اليمين، واول الغرف، شغلها محاسب الجريدة ناصر جرجيس، ومساعده عبد الستار شرارة، بعدها غرفة مخصصة للمصححين، واذكر منهم فؤاد علاء الدين، وشريف الربيعي، وشقيق لزهير الدجيلي، نسيت اسمه، ثم غرفة التصوير، ويشغلها جاسم الزبيدي الذي حولها الى ستوديو، لتحميض الافلام وطبع الصور، يساعده سامي النصراوي، بعدها غرفة خصصت للاستراحة، واستقبال الضيوف.

اما الطابق الثاني، فكان يتألف من ست غرف، اولها كان يداوم فيها منير رزوق ومظهر عارف المسؤولين عن الصفحة الاولى والاخبار العربية والدولية، ومتابعة مقالات الاستاذ محمد حسنين هيكل (بصراحة) وكانت تنشرها جريدتنا، في نفس يوم نشرها في صحيفة الاهرام، كل جمعة، يساعدهما ضياء منصور، الذي هاجر الى امريكا، وعمل مذيعاً في(صوت أمريكا)، ثم غرفة التحقيقات الصحفية، وتليها غرفة مندوبي الاخبار المحلية، وكانوا يسمون بـ(المُخبرين)، ويتكدس فيهما، بحدود عشرين محرراً ومندوباً، اتذكر منهم، فلاح العماري ولطفي الخياط وحسن السعدي وتحسين السوز وهادي محمد جواد وابراهيم العاني، وعمران القيسي وسهيل نادر وابراهيم زاير وجميل كاظم مناف وزهير الدجيلي، والمترجم محسن الموسوي والشاعر والخطاط صادق الصائغ وانا، ويجلس فيها ليلاً، يمارس عمله، الخطاط مالك المقدادي، وفي فترة سابقة او لاحقة، الخطاط كريم سلمان، بعدها غرفة الخبير الصحفي المصري علي منير، ثم غرفة سكرتير التحرير، وشغلها في البداية مؤيد الراوي، ثم معاذ عبدالرحيم ، وفي آخر الممر غرفة رئيس التحرير حازم مشتاق، وكانت أوسع الغرف، وقد اقتطعت منها، أربعة أمتار مربعة، للسكرتيرة (نورا) الشابة المسيحية الحسناء، وكنا نتحين الفرص، ونختلق المناسبات، للجلوس اليها، والحديث معها، وقد اكتشفت بذكائها، ما في نفوسنا، وسرحتّنا في احلامنا، وكل واحد منا، ظن واهماً، انه حبيبها.

أول ما راعني وانا أصل الى مبنى الجريدة، وجود مدرعة عسكرية، أمامه، وقابلت خلف، سائق السيارة الوحيدة في الجريدة ( جيب لاندروفر) قديمة طراز 1960، وابلغني ان (الجماعة) مجتمعين في القاعة، ودخلت وكانت تضج بالحاضرين، وعلى وجوههم، السخط والوجوم، وقد جلس في وسطها، زميلنا تحسين السوز، والى جانبه، ضابط شاب برتبة ملازم، قدمه تحسين الينا، على انه مندوب قيادة الثورة الجديدة، واسمه مشعل التميمي، ويعمل في الاستخبارات العسكرية، وهو أول من بدأ الحديث، قائلاً: باللهجة الدارجة، مفتعلاً اطلاق الآهات، ألماً وحزناً : (اشكد نصحناه لابو قيس ـ يقصد الرئيس عبدالرحمن عارف، عوف طاهر يحي – رئيس الوزراء – هذا يتآمر عليك، ومعروف هو من ربع جمال عبدالناصر، ما فاد وياه، وظل متساهلاً، مع الناصريين والشيوعيين والبعثيين، وكلهم أعداء البلد، فاضطرينا نزيحه، وراح نسفره للخارج)! وهنا قاطعه سكرتير التحرير معاذ عبدالرحيم بغضب، وقال له: لعلمك نحن الجالسين هنا، كلنا من القوميين والناصريين والبعثيين والشيوعيين، مضى علينا ثمانية أشهر، في هذه الجريدة، نعمل بحرص، ونؤدي واجبنا، في أخوة وتعاون، وداخ الملازم مشعل، وراح يتلفت يمنة ويسرة، وهو في حيرة ودهشة، وهنا تدخل تحسين السوز، وقال ان الاخ مشعل لا يقصد الاساءة، وانما يتحدث عن الحكومة السابقة، مضيفاً، ان قيادة الثورة اختارته رئيساً للتحرير، وآمل ان تتعاونون معي، وانفض الاجتماع، وخرج الملازم مشعل مسرعاً الى مدرعته، وصعد تحسين الى مكتب رئيس التحرير، والصحفيون في نقاشات حادة، كان أعلاهم صوتاً، هادي محمد جواد، الذي كان يهتف أكثر مما يتحدث، يسقط الاستعمار، تسقط الرجعية والامبريالية، (خوش ثورة) بطلها عبدالرزاق النايف !، وانفض الجميع بين محتج وعابس، على أحداث ذلك اليوم.

وللامانة التاريخية، فقد اتفقنا، هادي محمد جواد وابراهيم العاني وانا، وقابلنا، رئيس التحرير الجديد، تحسين السوز، وابلغناه، باننا لسنا مستعدين للعمل، في الجريدة بوضعها الجديد، وعليه اتخاذ ما يراه مناسباً بحقنا، لاننا قررنا عدم الدوام فيها، منذ هذا اليوم، فكان جوابه: نبقى اخواناً (وعلى راحتكم)، واعتقد ان زملاء آخرين، انقطعوا عن الدوام ايضا، ولكن لا اعرف التفاصيل.

 

 

مصادر: وكالات – تواصل اجتماعي – نشر محرري الموقع

وكالة تنشر النصوص بلا قيود..  المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مصدرها

اكتب لنا: iraqhuffpost@gmail.com

558 متابع ...
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments