التأصيل التاريخي لفكرة البنيان المرصوص

بغداد – هف بوست عراقي (منصة الخطاب المختلف):

وداد الحسناوي

البنيان المرصوص في اللغة والاصطلاح:

-البنيان المرصوص لغة: بِنَاءٌ مَرْصُوصٌ:مَا أُحْكِمَ بُنْيَانُهُ، مَتِينٌ.رصّص البنيان ونحوه:رصَّه؛ ضمَّ حجارته بعضها إلى بعض.
وبُنْيَان : كلمة أصلها الاسم (بُنْيانٌ) في صورة مفرد مذكر وجذرها (بني) وجذعها (بنيان).’١’
وقد ورد مصطلح(البنيان المرصوص) في القرآن الكريم، إذ قال تعالى:«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ»’٢’
كما جاء في الحديث الشريف للرسول(ص):
«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»’٣’
أما في الاصطلاح فلم نعثر على تعريف مانع جامع يوضح معنى البنيان المرصوص.

-البنيان المرصوص في القرآن الكريم والشريعة الإسلامية:

اختلف علماء التفسير في المراد بالبنيان المرصوص ، فنقل بعضهم عن الفراء : أنه المتلاحم بالرصاص لشدة قوته ، والجمهور : أنه المتلاصق المتراص المتساوي.
والواقع أنّ المراد بالتشبيه هنا هو وجه الشبه ، ولا يصح أن يكون هنا هو شكل البناء لا في تلاحمه بالرصاص ، وعدم انفكاكه ولا تساويه وتراصه ؛ لأن ذلك يتنافى وطبيعة الكر والفر في أرض المعركة ، ولكل وقعة نظامها حسب موقعها .
والذي يظهر والله تعالى أعلم : أنّ وجه الشبه المراد هنا هو عموم القوة والوحدة .
جاء في تفسير الزمخشري : يجوز أن يريد استواء بنائهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص.’٤’
ويدل لهذا الآتي :

أولاً: قوله تعالى :«وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم».’٥’
فالمقاعد هنا هي المواقع للجماعات من الجيش ، وهي التعبئة حسب ظروف الموقعة ، كما فعل – صلى الله عليه وسلم – في وضع الرماة في غزوة أحد حماية لظهورهم من التفاف العدو بهم لطبيعة المكان ، وكما فعل في غزوة بدر ورصهم ، وسواهم بقضيب في يده أيضا لطبيعة المكان .
وهكذا ، فلابد في كل وقعة من مراعاة موقعها ، بل وظروف السلاح والمقاتلة .
وقد ذكر صاحب الجمان في تشبيهات القرآن أجزاء الجيش وتقسيماته بصفة عامة من قلب وميمنة وميسرة وأجنحة ، ونحو ذلك فيكون وجه الشبه هو الارتباط المعنوي والشعور بالمسؤولية والإحساس بالواجب كما فعل الحباب بن المنذر في غزوة بدر حين نظر إلى منزل المسلمين من الموقع فلم يرقه ، وسأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأجابه فأبدى خطة جديدة فأخذ بها – صلى الله عليه وسلم – وغير الموقع من مكان المعركة .
ثانياً قوله تعالى :«ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين».’٦’
فذكر تعالى من عوامل النصر : الثبات عند اللقاء ، وذكر الله والطاعة ، والامتثال ، والحفاظ عليها بعدم التنازع والصبر عند الحملة والمجالدة ، فتكون حملة رجل واحد ، وكلها داخلة تحت معنى البنيان المرصوص في قوته وحمايته وثباته ، وقد عاب تعالى على اليهود تشتت قلوبهم عند القتال في قوله تعالى :«تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى»’٧’، وامتدح المؤمنين في قتالهم بوحدتهم كأنهم بنيان مرصوص.
وعن أكثم بن صيفي : أقلوا الخلاف على أمرائكم.
وإنّ المسلمين اليوم لأحوج ما يكونون إلى الالتزام بهذا التوجيه القرآني الكريم ، إزاء قضيتهم العامة مع عدوهم المشترك ولا سيما بعد مرور العالم الإسلامي بتجارب عدة في تاريخهم الطويل وكان لهم منها أوضح العبر ، ولهم في هذا المنهج القرآني أكبر موجب لاسترجاع حقوقهم والحفاظ على كيانهم ، فضلاً عن إنه العمل الذي يحبه الله من عباده.’٨’
إنّ القرآن العظيم نزل ليبني أمة ، والأمة أول وظيفة لها في هذا الوجود هي أن تقوم على أمانة دين الله في الأرض، ومنهجه في الحياة، ونظامه في الناس.
ولا يتصور الإسلام قائماً إلا في محيط جماعة منظمة ذات ارتباط ونظام وهدف جماعي منوط في الوقت ذاته بكل فرد فيها.
وإذا مانظرنا في هذه الآية نرى امتزاج الخلق الفردي بالحاجة الجماعية في ظل العقيدة الدينية وطبيعتها التي تقتضي تحقيقها في الحياة البشرية في صورة نظام يقوم عليه من يحرسه ويتولاه .
إنّ هذه الآية القرآنية المباركة ترسم للمجاهدين أفضل صيغة يحبها الله لجهادهم، وهي الوحدة الجهاديّة،
ونقف بإعجاب أمام هذا التعبير المدهش الذي يعبّر عن الحالة التي يحب الله للمجاهدين أن يقاتلوا عليها : ( صفاً كأنهم بنيان مرصوص)، فهو تكليف فردي في ذاته لكنه فردي في صورة جماعية، في جماعة ذات نظام، ذلك أن الذين يواجهون الإسلام يواجهونه بقوى جماعية ويؤلبون عليه تجمعات ضخمة، فلا بد لجنود الإسلام أن يواجهوا أعداءه صفاً سوياً منتظماً متيناً راسخاً.
وهذه الصورة التي يحبها الله للمؤمنين ترسم لهم طبيعة دينهم وتوضح لهم معالم الطريق وتكشف لهم عن طبيعة التضامن الوثيق الذي يرسمه التعبير القرآني المبدع:
«صفاً كأنهم بنيان مرصوص».
بنيان تتعاون لبناته وتتضامن وتتماسك، لتؤدي كل لبنة دورها وتسد ثغرتها، لأن البنيان كله ينهار إذا تخلت منه لبنة عن مكانها سواء تقدمت أو تأخرت.
إنه التعبير المصور للحقيقة لا لمجرد التشبيه العام، التعبير المصور لطبيعة الجماعة ولطبيعة ارتباطات الأفراد في الجماعة، ارتباط الشعور والحركة داخل النظام المرسوم المتجه إلى هدف مرسوم.

-السيد مقتدى الصدر (أعزه الله) والمشروع الوطني “البنيان المرصوص”

إنّ إشاعة ثقافة البنيان المرصوص في هذا الزمن الذي نعيش فيه زمن التناقضات والانشغال بالهم الخاص ،الزمن الذي تلاشت ونفدت فيه كثير من القيم الأخلاقية والإنسانية، تلك الثقافة المستمدة من مدرسة أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم) خاصة حين تتحول تلك الثقافة لسلوك يومي وتكون شاملة لكل مكونات الشعب العراقي،تنبذ الفرقة وتدعو للّحُمة الإنسانية والوطنية. دليل دامغ على إننا أمام رجل غير عادي، فعندما تدنو من علياء هذا الرجل الضاربة في العمق الإيماني الإنساني الذي يردم بهذه التجربة الحضارية كل جوانب وأبعاد الهوة التي يسعى لها الغرب والمتصيدين في عكرة الماء الذين ينسبون كل ماهو سيء للإسلام من سلوكيات. بهذه الخطوة المباركة التي ستتحول يوماً ما إلى أكاديمية تطوير إنساني قيّمي يعالج كل هذا الخراب الأخلاقي الذي عمل كثير من المغرضين على نشره بين الناشئة ويلقنهم درساً أخلاقياً ووطنياً لقابل الأزمان.
و لو افترضنا أنها خطوة سياسية كما يحاول البعض من هنا أو هناك رمي بعض العصي الصغيرة في دواليب هذا المشروع، فنعمى السياسة هي التي تسعى لنبذ الفرقة ونسج المحبة وأواصرها .حين يكون القائد جزءاً من الجماهير ،قريباً من الفقراء،يشعر بعوزهم ومعاناتهم ،فضلاً عمّا لهذا المشروع من فوائد تسهم بإعادة بناء روح الأخوة،وتربية الناشئة على المفاهيم والقييم الإسلامية والشريعة السمحاء التي تعنى بكرامة الإنسان واستقامة قوامه الأخلاقي.
لطالما عمل الإسلام على تدعيم العلاقات الإنسانية ،حيث حث النبي (ص) على صون كرامة المسلم وعدم إراقة ماء وجهه في طلب الحاجة عندما يقوم المسلم الميسور بتلمس حاجات أخوانه من المسلمين.
يقول المفكر العظيم الإمام علي (عليه السلام)-وهو يضع لنا مرتكزات تنمية إنسانية-: ” خير الأخوان من لا يحوج أخوانه إلى سواه “و”خير أخوانك من واساك”.
وهكذا نحن أمام منهم تربوي عميق وطريق قويم يلبده السيد مقتدى الصدر ليسير عليه الشباب والناشئة وبالتالي ينعكس هذا المنهج على المجتمع وسلامته من كل الأوبئة الأخلاقية والقيمية.
وهذا الإهتمام بكل مفاصل وتكوينات المجتمع، أولها التربية والتعليم من خلال دورات ودروس مكافحة الأمية وتأهيل وبناء المدارس،فأول خطاب قرآني خاطب به الله رسوله الكريم( ص)(( اقرأ)).’٨’
ناهيك عن تزويج الشباب وبناء البيوت للمعوزين، الإهتمام بتطوير الذات من خلال دورات التنمية البشرية،تدريب العاطلين عن العمل وإكسابهم مهارات يمكنهم من خلالها إيجاد فرص عمل، تطوير الكوادر، الإهتمام بالطلبة الذين يؤدون الامتحانات الوزارية من خلال دورات التقوية،و مرافقتهم صباحاً لتقديم الماء والطعام، تدريب النساء على المهارات المناسبة لها.
كل ذلك وغيره من مفاصل هذا المشروع الإنساني الوطني التي تسعى لحفظ كرامة الإنسان لأن الله خلقه مكرماً،حيث قال في محكم كتابه: ((ولقد كرمنا بني آدم)).’٩’
بوركت أيها الرجل الوطني أينما كنت وأنت سليل الرجال العظام.

 

الهوامش:

(1) موقع www.almaany.com

(٢)الصف: ١٤

(2) موقع binbaz.org.sa

(٤)موقع www.al-eman.com-تفسير الزمخشري لسورة الصف

(٥)آل عمران: ١٢١

(٦)الأنفال: ٤٥-٤٦

(٧)الحشر: ١٤

(٨)العلق: ١

(٩)الإسراء: ٧٠

 

باحثة وكاتبة في قضايا حقوق الإنسان والامرأة
ماجستير لغة عربية-جامعة الاسكندرية/كلية الآداب-
جمهورية مصر العربية

لقراءة المقال باللغة الانكليزية أنقر على الايقونة (يمين المقال)

 

تابع صفحتنا في فيسبوك

هف بوست عراقي تنشر النصوص بلا قيود..  المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مصدرها

اعلان: هل تريد انشاء موقعك الرقمي المكتبي، وكالتك الخبرية، موقع لمركزك البحثي.. يمكن ذلك وبأرخص الأسعار.. الاتصال على الرقم:   0031613350555

899

0 0 votes
Article Rating

قصص اخرى

Subscribe
Notify of
guest

0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments