هف بوست عراقي (hpi)(الحقيقة بلا فلتر 🔥):
يتكرر المشهد في العراق كل عام حتى بات طقساً صيفياً ثقيلاً: انقطاع شامل للإنترنت بحجة حماية الامتحانات. لا تكاد توجد دولة في العالم، حتى بين الدول الأقل نمواً، تلجأ إلى شلّ فضائها الرقمي وقطع شرايين الاتصال مع الداخل والخارج من أجل إدارة اختبارات مدرسية، إلا العراق.
إنها مذبحة للإنترنت تُرتكب بسكين وزارتي التربية والاتصالات. ومع وصول وزراء جدد عبر بوابة المحاصصة لا معايير الكفاءة، يبدو أن هذا النهج مرشح للاستمرار لسنوات أخرى، وكأن البلاد محكومة بتكرار الخطأ ذاته حتى يتحول إلى سياسة عامة.
وعلى امتداد السنوات الماضية، دأبت وزارة الاتصالات على الانسجام الكامل مع طلبات وزارة التربية بإيقاف خدمة الإنترنت خلال فترة الامتحانات. وتُقدَّم الذريعة ذاتها في كل مرة: منع تسرب الأسئلة. غير أن هذا التبرير يثير سؤالاً مشروعاً؛ إذا كانت منظومة الامتحانات لا تصمد إلا عبر إطفاء الإنترنت عن بلد بأكمله، فماذا يقول ذلك عن حجم الخلل داخل المؤسسة التربوية نفسها؟
ترى وزارة التربية في قطع الإنترنت “الحل الأسهل والأرخص”، خصوصاً بعد حوادث تسريب سابقة تحولت إلى أزمات إعلامية وسياسية. لكن سهولة الحل لا تعني صوابه، كما أن انخفاض كلفته الظاهرية لا يلغي أثمانه الباهظة التي يدفعها الاقتصاد والمجتمع.
ويرى خبراء أن العالم تجاوز منذ سنوات خيار الإغلاق الشامل، مع توفر بدائل تقنية حديثة تشمل أنظمة مراقبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وامتحانات إلكترونية مؤمنة، وأجهزة اتصال مغلقة، وآليات مشفرة لتوزيع الأسئلة من دون الحاجة إلى الإنترنت. غير أن تطبيق هذه الحلول على نطاق ملايين الطلبة في العراق يتطلب استثمارات مالية، وتدريباً للكفاءات، وتجهيزاً للمؤسسات التعليمية، والأهم إرادة سياسية وإدارية تؤمن بأن التحديث أقل كلفة من الدوران الأبدي في حلقة الفشل.
لكن الجهات المعنية تبدو أكثر ميلاً إلى الخيار التقليدي؛ لأنه ينقل عبء المسؤولية من معالجة جذور المشكلة إلى تعطيل الحياة العامة. فالتقنيات الحديثة لا تحدّ من التسريب فحسب، بل تضيق أيضاً منافذ الفساد وتُخضع العملية الامتحانية لمعايير أكثر صرامة وشفافية.
وفي العراق، يبدو أن الخوف من الفشل أكبر من الرغبة في التطوير. فإذا وقع تسريب للأسئلة من دون قطع الإنترنت، ستتجه أصابع الاتهام فوراً إلى وزارة التربية ومجلس الوزراء. أما الخسائر الاقتصادية والرقمية الناجمة عن الإغلاق، فهي مبعثرة بين شركات وأعمال وأفراد، فلا تتحول إلى أزمة سياسية مباشرة، ولهذا يجري التعامل معها باعتبارها ثمناً مقبولاً.
ولا توجد حتى الآن رؤية وطنية متكاملة توازن بين حماية نزاهة الامتحانات وصيانة الأمن الاقتصادي والرقمي للدولة. فالتناقض بين “الأمن الامتحاني” و”الأمن الرقمي” ما زال معلقاً، فيما تستمر كفة الحلول السهلة في الترجيح على حساب مستقبل التحول الرقمي.
ويقول مسؤول سابق في وزارة الاتصالات إن الوزير، على مدى سنوات، قبل بأن تتحول وزارته إلى مجرد أداة تنفيذية لطلبات وزارة التربية، من دون تقديم دراسات أو بدائل تقنية جادة إلى مجلس الوزراء. ويعكس ذلك ضعفاً في الموقف المؤسسي وعدم اكتراث بالمسؤولية الأساسية المتمثلة في حماية البنية التحتية الرقمية للبلاد، وهو ما يتكرر اليوم أيضاً.
ويضيف أن الوزير القوي لا يكتفي بالموافقة الصامتة، بل يقول بوضوح: نعم لنزاهة الامتحانات، لكن ليس على حساب شلل الاقتصاد الرقمي وتعطيل مصالح المواطنين. ثم يضع خطة زمنية واضحة للانتقال إلى بدائل حديثة تنهي هذا الاستثناء العراقي الذي أصبح، مع مرور الوقت، عنواناً لفشل الإدارة أكثر من كونه إجراءً لحماية العملية التعليمية.
والدول تُقاس بقدرتها على حل المشكلات من دون صناعة أزمات جديدة. أما حين يُصبح قطع الإنترنت علاجاً دائماً لتسرب الأسئلة، فإن الأزمة لا تكون في الشبكة، بل في الذهنية التي تديرها.
(ادرجنا اسمكم في القائمة الارسالية لأهميته، ارجو حفظ رقم التليفون لديكم باسم ((رئيس تحرير هف بوست عراقي))..، تقبّل منا ذلك وحريصون على التواصل معك 📌 ):
#هف_بوست_عراقي
( قناة واتساب) :https://whatsapp.com/channel/0029Var8RSgL2AU8BzPOfR1M
💎مجموعة واتساب: https://chat.whatsapp.com/L3QHH3pMECBHzrw6Z3bzr2?mode=gi_t
💎القناة على تلغرام: https://t.me/iq_huff
💎 المنصة: https://iraqhuffpost.com/









