هف بوست عراقي (hpi)(الحقيقة بلا فلتر 🔥):
محمود الهاشمي
تنوّعت أدوات الهيمنة الأمريكية على دول العالم، وتبدّلت أشكالها بتبدّل الظروف، إلا أن الهدف ظل واحدًا: إخضاع الدول لإرادتها السياسية والاقتصادية، وضمان بقاء مصالحها فوق إرادة الشعوب وسيادة الأوطان.
فعندما تقتضي المصالح التدخل العسكري المباشر، لا تتردد الولايات المتحدة في إرسال جيوشها واحتلال البلدان، كما حدث في فيتنام وأفغانستان والعراق. وبعد إسقاط الأنظمة القائمة، تسعى إلى هندسة مشهد سياسي جديد يتوافق مع رؤيتها ومصالحها، بما يضمن استمرار نفوذها والسيطرة على مقدرات تلك الدول وثرواتها.
وحين لا يكون الاحتلال المباشر خيارًا مناسبًا، تلجأ إلى وسائل أخرى أقل كلفة وأكثر خفاءً، من بينها دعم الانقلابات العسكرية أو رعايتها، والإتيان بقيادات تفتقر إلى المشروع الوطني والخبرة السياسية، لتتولى إدارة الدولة وفق الإملاءات الخارجية. وفي ظل هذه الأنظمة، تتحول المؤسسات الأمنية إلى أدوات لقمع الحريات وتكميم الأفواه وملاحقة الأصوات المعارضة.
أما في الأنظمة التي تعتمد الانتخابات، فتبرز أدوات النفوذ الناعم؛ حيث يُستخدم المال السياسي والإعلام الموجّه وبعض المنظمات المؤثرة في الرأي العام لتسويق شخصيات مجهولة أو محدودة الكفاءة، ودفعها إلى واجهة المشهد السياسي. وبهذه الآليات يتم الالتفاف على الإرادة الشعبية، لتصل إلى السلطة شخصيات تدين بالولاء لمن دعمها، لا لمن منحها صوته.
وفي حالات أخرى، تتدخل واشنطن بصورة مباشرة في مسار العملية السياسية، فتضغط بالعقوبات أو التهديد بقطع التعاون، وتعمل على خلط الأوراق وإفراغ نتائج الانتخابات من مضمونها، وصولًا إلى فرض شخصيات لم تمتلك يومًا رصيدًا سياسيًا أو حضورًا مؤسسيًا حقيقيًا، لكنها تحظى بالقبول والدعم الخارجي اللازمين. وهكذا تتحول إرادة الشعوب إلى مجرد تفصيل هامشي أمام حسابات القوة والنفوذ.
إن اختلاف الوسائل لا يغيّر من حقيقة واحدة؛ فبين الاحتلال العسكري، والانقلاب السياسي، والتأثير الإعلامي والاقتصادي، يبقى السعي إلى توجيه القرار الوطني للدول الأخرى بما يخدم المصالح الأمريكية هو القاسم المشترك الذي يجمع هذه السياسات، مهما اختلفت الشعارات والخطابات المعلنة.
ما يهمنا في هذا المقال تناول المنهج الأمريكي في اختيار شخصيات (قليلة التجربة)، وليس لها من خلفية سياسية تُذكر، إلى منصب رفيع بمستوى (الرئاسة) لهذا البلد أو ذاك، لغرض إخضاعه والإملاء عليه دون أدنى حراك أو اعتراض منه.
هذا المنهج، وإن اعتمدته الولايات المتحدة قديمًا، إلا أنها في السنوات الأخيرة، وخاصة في عهد مجيء الرئيس الأمريكي (دونالد جون ترامب) إلى حكم الولايات المتحدة بولايتين:
الأولى منذ عام ٢٠١٧-٢٠٢١، والثانية منذ عام ٢٠٢٥ وحتى عام ٢٠٢٨.
عمدت إدارة ترامب إلى اختيار شخصيات لإدارة بلدانها دون أن تتوفر فيها أدنى سمات القيادة، وألزمتها بـ(الطاعة)، وصناعة علاقات وتفاهمات دولية وتجارب سياسية واقتصادية ليست بصالح شعوب تلك الدول. وأول هذا التطبيق كان مع دولة (جورجيا)، والمجيء بشخصية ميخائيل ساكاشفيلي عبر ما يسمى (ثورة الورد 2003)، وهو ليس بأكثر من محامٍ شاب بعيد عن السياسة، درس في الولايات المتحدة وعاد ليتزعم حراكًا شعبيًا أطاح بالرئيس المخضرم والسياسي السوفيتي السابق إدوارد شيفرنادزه، بعد أن قدمت واشنطن، عبر منظمات المجتمع المدني، دعمًا ماليًا ولوجستيًا كبيرًا لحركته. كان الهدف تقديم “وجه ديمقراطي جديد” يتبنى سياسات غربية صريحة، وينقل جورجيا بالكامل إلى المعسكر الأمريكي عبر السعي للانضمام إلى حلف الناتو، مضعفًا النفوذ الروسي التقليدي في القوقاز.
بعدها دولة أوكرانيا، حيث جيء بشخصية (يهودية) تحمل جنسيتين، أوكرانية وإسرائيلية، ولا تملك تاريخًا سياسيًا. قبل دخوله المعترك السياسي، اشتهر فولوديمير زيلينسكي في أوكرانيا ككوميدي وممثل ساخر، وُلد لعائلة ناطقة بالروسية. تميزت مسيرته بالابتعاد عن السياسة، حيث تخرج من كلية الحقوق، لكنه لم يمارس المحاماة، وتوجه نحو الفن، وأسس فرقة الإنتاج الكوميدي الشهيرة “كفارتال 95”. تولى فولوديمير زيلينسكي رئاسة أوكرانيا رسميًا في 20 مايو/أيار 2019، وذلك بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في أبريل من العام ذاته.
ويبدو أنه كان مخططًا له إدامة الحرب بين بلده أوكرانيا وروسيا لأمرين؛ الأول إشغال روسيا وإضعافها ومنعها من منافسة الولايات المتحدة، والثاني إشغال أوروبا أيضًا، التي تعتمد على روسيا في استيراد مصادر الطاقة، فتحولت أوكرانيا على يد زيلينسكي إلى مجرد (خربة).
حيث تسببت الحرب في أوكرانيا في خسائر فادحة وعميقة شملت كافة مناحي الحياة، فروسيا تحتل مساحات واسعة من البلاد، مما أسفر عن دمار هائل في البنية التحتية، وأزمة نزوح لملايين الأشخاص، حيث تعد هذه الأزمة أكبر كارثة لاجئين في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، بعد أن فرّ الملايين إلى الدول الأوروبية، ونزح عدد مماثل داخل البلاد، وباتت دول تجعل من نساء أوكرانيا الهاربات من ويلات الحرب هدفًا للدعارة، وخاصة الإمارات.
بالإضافة إلى الدمار المادي والاقتصادي نتيجة تدمير المصانع وشبكات الطاقة والطرق، مما أدى إلى تراجع حاد في الناتج المحلي الإجمالي وفقدان الوظائف.
الأهم في إخلاص المرشح الأمريكي أن يظهر ولاءه لأمريكا ولإسرائيل.
عملت الولايات المتحدة على صناعة شخصية رئيس الأرجنتين (خافيير ميلي)، الذي يصف نفسه بـ(الفوضوي الرأسمالي). فاز بالانتخابات عام ٢٠٢١، وأعلن ولاءه لأمريكا حتى سمي (ترامب الصغير). شخصية مثيرة للجدل، بلسان بذيء وسمعة سيئة، غير متزوج وليس له أولاد، يربي الكلاب، ويقول: (عندما مات كلبي انقطعت صلتي بالله). يحمل منشارًا ويقول: سأقطع أوصال الفاسدين، ويلعن الصين وروسيا، ويعشق إسرائيل التي زارها مرات عدة، وبكى عند حائط المبكى. (الحديث عن أخلاقه يطول)!
جونسون أصبح رئيس وزراء بريطانيا عام ٢٠١٩، شخصية مثيرة للجدل في السياسة البريطانية والصحافة. يقول عنه أصدقاؤه: (شخصية مسلية وذات دعابة)، ويستخدم لغة عنصرية في العداء للمهاجرين، ويميل لمثليي الجنس، ويصبغ شعره وينثره على طريقة ترامب. جاءت به أمريكا لإخراج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي لإضعاف الاتحاد.
في تشيلي فاز خوسيه أنطونيو كاست في انتخابات عام ٢٠٢٥، مرشح اليمين المتطرف المعروف بولائه للمرحلة الدكتاتورية في عهد السفاح (بينوشيه)، والذي قال عنه: (لو كان حيًا لانتخبته).
فيما بينوشيه مجرم سفاح قام بانقلاب عسكري على حكومة سلفادور الليندي المنتخبة عام ١٩٧٣، وألقى القنابل على الشعب في ملعب كرة القدم.
عرف بتأييده لإسرائيل في عدد من المناسبات، واتهم الرئيس السابق غابرييل بوريك بـ(معاداة السامية) لقراره إقصاء إسرائيل من معرض “فيدا” الجوي الدولي.
أما رئيس السلفادور الجديد نجيب بوكيلة، فمن أصول فلسطينية، لكنه -في المقابل- يحتفظ بعلاقة مع إسرائيل، وزار العام الماضي حائط البراق (المبكى) ومتحف الهولوكوست بالقدس المحتلة، والتقى مسؤولين إسرائيليين، وهو معجب بالرئيس الأمريكي، حيث فاز بانتخابات عام ٢٠٢١، وغيّر الدستور لكي يترشح مرة أخرى.
في الهندوراس أعلنت السلطات الانتخابية فوز نصري عصفورة -من أصول فلسطينية أيضًا، والذي يوصف بأنه يميني مدعوم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- بالانتخابات الرئاسية لعام 2025.
يبدو أن كولومبيا في الطريق إلى أن يحكمها شخص من اليمين وإنهاء مرحلة حكم اليسار، حيث جرت الانتخابات الأولية في مايو/أيار، وتصدرها (أبيلاردو دي لا إسبرييا)، وهو محامٍ ولا يملك أي خبرة سياسية، جاءت به أمريكا، ودعمه ترامب، وغرد له على منصة “تروث سوشيال”، معلنًا “دعمه الكامل” للمرشح اليميني، كما هاجم منافسه سيبيدا ووصفه بأنه “ماركسي من اليسار المتطرف”.
لم يزل هناك العديد من الأسماء الذين لا خبرة لهم في السياسة، تزجهم أمريكا في رئاسة الدول ليكونوا رعاة لمصالحها ومصالح إسرائيل، وحتى في داخل أمريكا نفسها، حيث إن الرئيس الأمريكي (ترامب) نفسه جاء من خارج المؤسسات السياسية الأمريكية، وراح يختار لكابينته الوزارية وإدارته بالطريقة نفسها. فوزير دفاعه (هيغست) دون أدنى خبرة عسكرية، وآخر مسؤول عينه ترامب قبل أيام كان لشغل منصب مدير الاستخبارات الوطنية بالإنابة (ويليام بولت)، فالرجل لم يعمل في هذا الميدان ولو لساعة واحدة، وهو مجرد تاجر عقارات وصديق لترامب.
في البلدان العربية جاؤوا بـ(أبو محمد الجولاني) رئيسًا لسوريا، ولا عهد له بالسياسة.
وجاؤوا بالفريق عبد الفتاح البرهان رئيسًا للمجلس العسكري السوداني عام ٢٠١٩.
لم يكن اسم البرهان حاضرًا في المشهد السياسي السوداني في السابق، فقد عُرف بأنه عسكري، تدرج في مختلف المراتب العسكرية منذ أن خدم في الجيش السوداني ضابطًا في سلاح المشاة، حتى أصبح قائدًا للقوات البرية، لذلك سارع إلى التطبيع مع إسرائيل.
وقيس سعيد في تونس لا يملك تاريخًا سياسيًا، وهو مجرد (محامٍ)، ومثله الرئيس السيسي في مصر، حيث إن تاريخه (عسكري) فقط، حتى أصبح وزيرًا للدفاع بعد (ربيع مصر).
في العراق، بعد انتخابات عام ٢٠٢٥، أعلنت الولايات المتحدة، عبر ممثل الرئيس الأمريكي مارك سافيا: (فريقنا الميداني يعمل في العراق لدعم تشكيل حكومة جديدة ومنع ميليشيات إيران من الوصول إلى السلطة)، ثم أكد أن جميع المناصب السيادية في الحكومة العراقية الجديدة يجب أن تكون بموافقة أمريكية.
وحين رشحت (الكتلة الأكبر) مرشحها (نوري المالكي)، بخبرته كونه نائبًا لعدة مرات، ورئيسًا لمجلس الوزراء لمرتين، وأمينًا عامًا لحزب الدعوة الإسلامية، اعترض الرئيس الأمريكي ترامب عليه عبر تغريدة له بأن أمريكا لا تتعاون معه، فيما سارع بدعم مرشح (التسوية) (علي الزيدي)، رغم أنه شخصية لا عهد لها بالسياسة، ولا حتى بالعسكرية.
سؤال: ما هي المشتركات بين هؤلاء الشخصيات في خطابهم وتوجهاتهم؟
١- محاربة مؤسسات الدولة التقليدية والتصدي للفساد.
٢- التوجه نحو سياسات (السوق الحر) و(الديمقراطية الليبرالية)، وتقليص حجم القطاع العام، وخفض الإنفاق الحكومي كحل للأزمات.
٣- إعطاء الأولوية القصوى لملف الأمن.
٤- تعزيز التقارب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والعداء لمن عاداهما.
٥- رفع شعار (بلدنا أولًا).
السؤال الأخير: هل نجح هؤلاء الذين اختارتهم أمريكا لرئاسة بلدانهم في شعاراتهم التي أعلنوها؟
أثبتت التجارب أن الشخصيات المدعومة أمريكيًا تميل إلى الفشل سياسيًا، وذلك عبر تطبيقهم معادلات اقتصادية جافة دون مراعاة لنسب الفقر والتنوع العرقي في بلدانهم، وعدم امتلاكهم قواعد شعبية أو حزبية تحميهم عند اتخاذ قرارات تقشفية غير شعبية.
ناهيك عن أنهم محليًا يُنظر إليهم كـ”أدوات أو وكلاء” ينفذون أجندة واشنطن، مما يسهل على التيارات السياسية إزاحتهم، ومما هو أهم أن أمريكا لا تراعي (عملاءها) في قراراتها التي تتقاطع مع بلدان أخرى، مهما كانت قريبة منها أو بعيدة.
(ادرجنا اسمكم في القائمة الارسالية لأهميته، ارجو حفظ رقم التليفون لديكم باسم ((رئيس تحرير هف بوست عراقي))..، تقبّل منا ذلك وحريصون على التواصل معك 📌 ):
#هف_بوست_عراقي
( قناة واتساب) :https://whatsapp.com/channel/0029Var8RSgL2AU8BzPOfR1M
💎مجموعة واتساب: https://chat.whatsapp.com/L3QHH3pMECBHzrw6Z3bzr2?mode=gi_t
💎القناة على تلغرام: https://t.me/iq_huff
💎 المنصة: https://iraqhuffpost.com/









