هف بوست عراقي (hpi)(الحقيقة بلا فلتر 🔥):
تعيش الساحة الإعلامية العراقية واحدة من أعقد أزماتها منذ سقوط النظام السابق، إذ يتشابك فيها مساران متوازيان ومتفاعلان يعكسان انقساماً حاداً في المشهد الإعلامي بين سلطة تنظيمية تتوسع في صلاحياتها وفوضى ابتزاز وتسقيط تمارَس باسم المهنة.
فمن ناحية، تصاعدت القيود والإجراءات التنظيمية التي تفرضها هيئة الإعلام والاتصالات على القنوات الفضائية والإعلاميين، لتصل ذروتها في آب 2026 بإعلان تحالف من القنوات الفضائية مقاطعة أخبار الهيئة وتيار الحكمة ورئيسه عمار الحكيم، احتجاجاً على ما وصفته بـ”إجراءات تعسفية” طالت عدداً من البرامج ومقدميها.
ومن ناحية أخرى، وبشكل أقل توثيقاً في النقاش العام لكنه لا يقل واقعية وخطورة، يكشف المشهد عن استغلال جزء واسع من الفضاء الإعلامي والحسابات الرقمية لأغراض مادية وسياسية ضيقة، عبر ممارسات الابتزاز والتسقيط والسمسرة في المناصب، إلى جانب بث محتوى هابط وخطاب طائفي وتحريضي في أوقات الأزمات والحروب، وسط غياب شبه كامل لقانون عراقي مخصص لجرائم المعلوماتية يوفر رادعاً قانونياً واضحاً ومعايير قضائية مستقلة.
الهيئة التي أنشئت كجهة تنظيمية رسمية لقطاعي البث الإعلامي والاتصالات، وجدت نفسها في السنوات الأخيرة في قلب عاصفة انتقادات متبادلة، إذ يتهمها البعض بالتسييس والخضوع لنفوذ قوى سياسية وفصائل ضمن الإطار التنسيقي، بينما تتهم هي الأخرى بعض الإعلاميين والقنوات بتجاوز الأخلاقيات المهنية والوقوع في فخ الابتزاز والتحريض.
وتشير الوقائع إلى أن الهيئة أصدرت نمطاً متكرراً من القرارات العقابية شملت إيقاف برامج وإنذارات ومنع ظهور لفترات تراوحت بين 20 يوماً وسنة كاملة، إلى جانب دفع منصة ميتا لحجب منشورات، واستهدفت هذه القرارات محاوري فضائيات ومدونين ويوتيوبرز وشخصيات سياسية محلية.
لكن اللافت أن هذه الإجراءات نفسها واجهت اتهامات بالانتقائية وعدم الحياد، خصوصاً بعد أن كشف تحليل نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في ديسمبر 2024 عن ارتباط قيادة الهيئة آنذاك برئيسها علي حسين المؤيد، ووصف المعهد توجيهاتها الصادرة في 8 كانون الأول 2024 بأنها تعكس نفوذاً لفصائل.
وبعد خروج المؤيد من رئاسة الهيئة في ظروف وصفتها تقارير إعلامية بـ”الغموض”، إثر استجواب نيابي وجهت له اتهامات لم تحسم علناً، تولى الرئاسة نوفل أبو رغيف، ثم في كانون الثاني 2026 تولى بليغ أبو كلل رئاسة الجهاز التنفيذي للهيئة، ليقترن اسمه منذ توليه المنصب بسلسلة قرارات عقابية متتالية، كان من بينها تصريحه المبكر بأنه “سيعاقب الفرات قبل الجميع” وأن أحد الإعلاميين “يستحق 60 يوماً” منعاً من الظهور.
وتشير الإحصاءات إلى أن الهيئة فرضت خلال فترة وجيزة 3 حالات تغريم مالي لمؤسسات إعلامية و18 حالة منع ظهور لشخصيات إعلامية وسياسية، لفترات تنوعت بين 20 يوماً وسنة كاملة.
وفي سياق متصل، برزت حالات مثيرة للجدل مثل تكرر استهداف هيئة الإعلام لمقدم البرنامج الشهير أحمد ملا طلال في أكثر من مناسبة خلال عام 2026، إذ أوقف برنامجه “مع ملا طلال” مرة بدعوى “الإساءة إلى الذات الإلهية”، ومرة أخرى بقرار إيقاف عن الظهور لمدة ثلاثة أشهر بسبب منشور على فيسبوك تناول مشاركة المنتخب العراقي في كأس العالم، اعتبرته الهيئة “إساءة للدولة العراقية” ومخالفاً للائحة قواعد البث. كما تعرض الإعلامي قصي شفيق سابقاً لحكم قضائي بالحبس أو الغرامة على خلفية نشاط إعلامي.
لكن الجانب الأكثر إثارة للقلق يتمثل في ظاهرة توظيف بعض مقدمي البرامج كأدوات ابتزاز وتأثير وسمسرة في المناصب مقابل مبالغ مالية ضخمة.
ففي تحقيق استقصائي نشرته الجزيرة نت، تم توثيق كيف يستخدم زعماء كتل سياسية ورجال أعمال بعض مقدمي البرامج كأدوات في صراعاتهم، عبر عرض رواتب ومبالغ ضخمة لاستقطابهم بين الفضائيات المتنافسة، حيث وصلت الرواتب الشهرية في حالات موثقة إلى نحو 15 ألف دولار، ومبالغ إجمالية بلغت 400 ألف دولار مقابل الانتقال من قناة إلى أخرى وحده. ويكشف التحقيق أن بعض هؤلاء الإعلاميين يتحولون إلى “عرابين” يسهلون وصول شخصيات إلى مناصب تنفيذية في الدولة، وهي ظاهرة سمسرة سياسية-إعلامية تختلف عن الصحافة المهنية جوهرياً وإن استخدمت أدواتها ومنابرها نفسها، ما يطرح تساؤلات حول مدى استقلالية الخطاب الإعلامي ونزاهته.
إلى جانب ذلك، رصدت تغطيات إعلامية عراقية، نماذج لما وصف بـ”الفضائيات الهابطة” التي تعتمد الإثارة والصدام بدل الممارسة المهنية لجذب المشاهدين .
وتتأزم الصورة أكثر مع غياب قانون جرائم معلوماتية نافذ منذ مسودة عام 2011، الأمر الذي يضطر القضاء العراقي إلى تطويع مواد عامة من قانون العقوبات لمحاكمة جرائم قد لا تتناسب معها النصوص القانونية بشكل دقيق.
وبحسب تقرير الشفافية الخاص بشركة ميتا، وجهت الهيئة إخطارين رسميين للشركة طالبت فيهما بتقييد الوصول إلى منشورات لصحفيين ومؤثرين عراقيين تضمنت “ادعاءات فساد وتحيّز ضد مسؤولين قضائيين كبار”، مستندة إلى قرارات قضائية وأحكام في قانون العقوبات، لكن ميتا ذكرت أنها لم تجد في المنشورات ما يخالف سياساتها الداخلية، ورغم ذلك امتثلت للطلب بعد تهديد الهيئة بعقوبات تشمل حظر الإعلانات وتعطيل التحويلات المالية .
وتزداد التعقيدات عندما ننظر إلى واقعة إقالة إعلامي من شبكة الإعلام العراقي، المؤسسة الإعلامية الرسمية، بتهمتي الابتزاز والاختلاس، ثم توجيهه لاحقاً تهديدات علنية لأحد القياديين في الإطار التنسيقي، وهي الواقعة التي تجمع بين جوانب الفساد المالي والسياسي في آن واحد.
وفي خضم هذا المشهد المتشابك، يتقاطع خطاب نقابة الصحفيين العراقيين والجهات الحكومية الرسمية حول ثنائية “الحرية والمسؤولية” بوصفها الإطار الذي ينبغي أن تدار من خلاله علاقة الإعلام بالتنظيم. وفي 30 أيار 2026، وخلال استقبال رئيس الوزراء علي الزيدي لنخبة من الإعلاميين وصناع الرأي بمناسبة عيد الأضحى، طالب رئيس الوزراء بـ”الفصل التام بين حرية الرأي والتعبير التي كفلها الدستور وبين محاولات الابتزاز والتسقيط .
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن للعراق أن يخرج من هذه الدوامة التي تجعل الإعلام في آن واحد أداة ابتزاز وسمسرة، وهدفاً لتضييق حكومي يلبس ثوب التنظيم؟
تابع التفاصيل المثيرة في التعليق وعلى المنصة
#هف_بوست_عراقي
( قناة واتساب) :https://whatsapp.com/channel/0029Var8RSgL2AU8BzPOfR1M
💎مجموعة واتساب: https://chat.whatsapp.com/E8AdCCQDp7vGNpRtYoPaN4?s=cl&p=i&ilr=1
💎القناة على تلغرام: https://t.me/iq_huff
💎 المنصة: https://iraqhuffpost.com/









